لبنان بين عهدين
بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، انصبّ الغضب الشعبي العارم يومها، ضد رئيس الجمهورية اميل لحود، وحكومة الرئيس عمر كرامي، ورموز الاجهزة الامنية الاربعة الموجودين حالياً في السجن، لأن الناس كانوا يلمسون بوضوح ان كل هؤلاء يناصبون الرئيس الحريري العداء الشخصي، ويضعون العصي والعراقيل في طريق مسيرته السياسية والانمائية التي توصل لبنان الى مصاف الدول المتقدمة، سيدة نفسها وقدراتها وقرارها، وقد تفجّر هذا الغضب في تظاهرة 14 آذار التاريخية التي عبّرت عن رفض أكثر من ثلاثة ارباع اللبنانيين لجريمة اغتيال الحريري، مطالبة باستقالة رئيس الجمهورية والحكومة والضباط الاربعة وبمحاكمتهم.
هذا الغليان الشعبي، ترافق مع مواقف دولية وعربية مؤيدة وداعمة لتحرك الشعب اللبناني، ما تسبب بحالة من المقاطعة الشاملة ما بين العالم واكثرية اللبنانيين من جهة، وبين الحكم اللبناني، وبصورة خاصة رئيس الجمهورية من جهة ثانية.
في خضم هذا الوضع المأزوم المتوتر والخطير، شعر البطريرك الماروني نصرالله صفير، بمدى الضرر الذي سوف يلحق بلبنان وبمنصب رئاسة الجمهورية المخصص للطائفة المارونية فطلب من الرئيس اميل لحود تقديم استقالته تخفيفاً لحجم الخسائر المنتظرة، ونزولاً عند رغبة اللبنانيين وفي شكل خاص المسيحيين منهم، لكن الرئيس لحود لم يستجب لطلب البطريرك الماروني ورفض الاستقالة، والبعض يقول انه منع من الاستقالة.
تعقيباً على موقف البطريرك صفير، كتبت يومها مقالاً تحت عنوان «حتى لا ينبت العشب على طريق بعبدا» ناشدت فيه الرئيس لحود الاستجابة لطلب صفير حتى لا يمضي ما تبقّى من ولايته الممدة معزولا ًومقاطعاً من العالم وقسم كبير من القادة السياسيين اللبنانيين، وقد صح ما توقعناه، وما توجّس منه سيد بكركي، واكمل لحود ولايته الممدة في مقاطعة شبه شاملة محلياً وعربياً ودولياً.
* * * التذكير بهذه الوقائع اليوم، للاشارة الى أن مطلق رئيس جمهورية حكم لبنان وانحاز الى فريق داخلي او خارجي، وخاصم الافرقاء الآخرين، انما حكم على عهده وعلى ذاته بالفشل وبالاضطراب الامني والمقاطعة، وللاشارة ايضاً الى أن الرئيس العماد ميشال سليمان، الذي اتى الى الحكم بتوافق محلي وعربي ودولي شبه شامل، وهو على علاقة جيدة بسوريا، وقريب من حزب الله والمقاومة، مثله مثل العماد لحود، الا انه لم يسلك سلوك لحود بالتحيّز الى فريق دون آخر، والى دولة دون اخرى، ويأخذ مواقف واضحة بالعداء لمعظم قيادات الرابع عشر من آذار ان لم يكونوا كلهم، والمشاركة في حملات التجريح والاتهامات، وغضّ الطرف عن الشتائم والكلام غير المقبول الموجّه لبكركي ولسيّدها، ولهذه الاسباب فان الرئيس سليمان يحظى بتقدير الكل وتأييدهم، حتى اولئك الذين يناصبون النظام السوري العداء، لأنه يقف حقيقة على مسافة واحدة من الجميع، ولا يعمل او يلتزم الاّ بما يؤمّن مصلحة لبنان واستقراره، ولذلك تراه يشدد على المصالحة بين جميع الأفرقاء ويعمل جاهداً على تأمين المصالحة وانجاحها.
هذا على الصعيد الداخلي، اما على الصعيد العربي والاقليمي والدولي، فان الرئيس سليمان الذي قام حتى الآن بحوالى اثنتي عشرة زيارة الى الخارج ليعيد لبنان الى العالم، ويعيد العالم الى لبنان، وقد يقوم بمثلها واكثر لتمتين استقلال لبنان وسيادته وقراره الحر، في دول العالم والمنتديات العالمية، لم يميّز بين دولة وأخرى، ولم ينحز الى دولة دون اخرى، بل حرص على لعب الدور التاريخي الذي طالما لعبه لبنان كصلة وصل بين الاشقاء العرب وبينهم وبين كل العالم، وهذا الدور كان يمكن للحود ان يلعبه، لو لم يحبس ذاته في خانة معيّنة وتوجّه محدد، فحكم على عهده بالفشل خصوصاً بعد قبوله تمديد ولايته ثلاثة سنوات رغم معرفته بأن اكثرية اللبنانيين تعارض بقوة تعديل الدستور وتمديد الولاية، ولو انه فعل ما يقوم به الرئيس سليمان اليوم، لكان بالتأكيد وفّر على لبنان متاعب ومصائب ودماء غزيرة وسمت عهده الطويل، وخصوصاً في سنواته الاخيرة.
عهد الرئيس سليمان في بداياته، واذا كان «المكتوب يقرأ من عنوانه» فان الأمل كبير بأن يستمر هذا العهد على هدوئه ورصانته، وحياده، وانفتاحه على كل العالم، تأميناً لمصالح الوطن والشعب.