يـــــــا رب ارحـــــــــــــــــم !
في مكان ما. ربما في أمكنة كثيرة، لا يزال المسيح مصلوباً ويقطر دماً وخلاً وشوكاً. وبالأحرى في وقت معين وربما في أوقات كثيرة يتم صلب المسيح ويطعن بحراب وتُقتسم ثيابه في كل يوم.
لم نكن في حاجة إلى خبر اشتباك الكهنة في كنيسة القيامة، لنصرخ: رحمتك يا الله. فنحن في لبنان اصحاب فضل وأرجحية في الاشتباكات المسيحية – المسيحية. وقد جاء علينا حين من الدهر لم نترك فيه حجراً على حجر في الجدار المسيحي المتداعي أصلاً ومن قديم الزمان.
ويكفي في هذا السياق أن نتأمل على سبيل المثال لا الحصر، في "استراحة" يوسف بك كرم، الذي علّمونا أنه بطل من تاريخ لبنان، فإذا به نائم على هدير الدم المسيحي الذي كان يسفك على تخوم زحلة!
❑ ❑ ❑
وإذا كانت كنيسة القيامة قد شهدت ما يتنافى مع وصية السيد المسيح بـ"درّ له الأيسر"، بمعنى ان الاشتباك بين كهنة من الارثوذكس وآخرين من الأرمن، وصل إلى حد تمزيق الأردية الكهنوتية وتبادل الصفع واللّكم، فإننا نحن في لبنان تجاوزنا كأبناء كنيسة أو كنائس لا ككهنة فيها على سبيل الأمانة والتوضيح، مرحلة العراك بالأيدي إلى التدرّج من استعمال "البارابيلو" الى فتح فوهات المدافع مروراً طبعاً بالرشاشات تصلينا ناراً، أما الدخان فللمباخر في المقابر!
والاشتباك بالأيدي الذي حصل في كنيسة القيامة، يحصل أسوأ منه كل يوم تقريباً في لبنان وليس بالضرورة بين المطارنة والأساقفة، وليس بالضرورة بالأيدي. وإنما ببلّ بعض من أهل الرعية الألسن والأيدي أحياناً في الأحبار، وكل ذلك على نية المسيح ومن أجل مصلحة المسيحيين في لبنان!
❑ ❑ ❑
وإذا كان الكهنة في كنيسة القيامة قد استعملوا الشموع بدلاً من العصي للتضارب، فنحن في لبنان كمسيحيين، مغفورة لهم خطاياهم، نستعمل العصي الحقيقية وهي من خشب والأفضل أن تكون من حديد زيادة في الرأفة. وكل ذلك في المدارس والجامعات، إرضاء للممسكين بمجد المسيحيين وسؤددهم في لبنان السعيد.
وإذا كانوا قد اقتسموا ثياب السيد المسيح، فإن الكنائس المسيحية تقاسمت بعد ذلك كل شبر لا بل كل سنتيمتر من المكان الذي صلب فيه المسيح في كنيسة القيامة. ولكن الذين يقيمون أنفسهم حراساً للمسيحية ومصالح المسيحيين في لبنان، مضوا بعيداً في فن الاقتسام فاقتسموا الشارع ووصلوا لشدّة غيرتهم على الدين إلى اقتسام الاخوة وأبناء العائلة الواحدة، واضافة إلى ذلك يريدون اقتسام "الوظائف والمهمات". فليس لبكركي وسيدها الحق في غير القداديس والتسعاويات والبخور و"يا رب ارحم".
اما اذا فكّر البطريرك الماروني في إلقاء وعظة في المؤمنين فلربما عليه ان يستعير حراس الصليب او ان يرسل النص الى الحاشية الساهرة على مستقبل المسيحية في المشرق و"كونوا في السكوت ايها السامعون".
وهذا يتجاوز الاشتباك بالأيدي في كنيسة القيامة لأنه ليس اشتباكاً بين طرفين، بل محاولة لدفع الأحبار على درب جلجلة بلانهاية ولا تعرف نعمة الصلب.
❑ ❑ ❑
وإذا كانت مفاتيح كنيسة القيامة قد وضعت منذ سبعة قرون في أيدي عائلتين مسلمتين مؤتمنتين عليها، وهو ما لا يعرفه الكثيرون، فان من الضروري لنا في لبنان أن نعرف امرين:
❑ أولا: ان الأديان كلها فضائل وتعاليم خير ومحبة وتسامح وهو ما يركز عليه الآن مؤتمر حوار الاديان في الامم المتحدة، وانه عندما يؤتمن مسلمون على كنيسة القيامة، فان هذا لا يعني ان الاسلام يمكن أن يكون أرأف بالمسيحيين من المسيحيين فحسب، بل ان كل ما أثارته وتثيره الطائفيات البغيضة بين المسيحيين والمسلمين انما هو باطل الأباطيل.
❑ ثانياً: صحيح ان لكنيسة القيامة من يحمل مفاتيحها ولكن الكثيرين من المسيحيين في لبنان ضيّعوا مفاتيح الكنيسة والطريق اليها… وأنفسهم طبعاً.