جهود سليمان تحتاج إلى دعم خارجي مماثل لمبادرة شيراك
إعادة لبنان مركزاً للحوار ترتبط بتعميق الاستقرار
لم يكن ممكنا ان يغيب لبنان عن المشاركة، عبر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن مؤتمر حوار الاديان الذي رعاه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ودعت اليه الامم المتحدة في نيويورك. اولا نتيجة طموحه الى استعادة صورة البلاد الصغيرة الجامعة لطوائف متعددة متعايشة في ما بينها، ثم لدعم التوجه العربي السعودي والرغبة في ترميم الصدع الذي وقع بين العالمين الغربي والعربي بعدما كان لبنان يشكل جسرا بينهما في وقت من الاوقات. ويصعب على لبنان ان يبرز صورته كبلد نموذج لحوار الاديان وتفاعلها ما لم يكن ذلك بدعم خارجي قوي مماثل للدعم الذي قدمه الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل اعوام، حين أصر على نقل القمة الفرنكوفونية من رومانيا المركز الذي كان مقررا، الى بيروت دعما لاستعادة لبنان عافيته واعادة اطلاقه مركزا يستحق ان يستعيد مجده السابق ما قبل الحرب.
فهذه المشاركة مختلفة عن زيارات رئيس الجمهورية الاخيرة للخارج من اجل ابراز عودة المؤسسات الدستورية الى لبنان وفي مقدمها رئاسة الجمهورية. ذلك ان صورة لبنان كنموذج حضاري للتفاعل بين الديانات والطوائف المختلفة لم تعد هي نفسها، وليس صحيحا ان لبنان استعادها على رغم ما يقال عن طاولة حوار او عن مصالحات وما شابه، مع ان جميع الافرقاء يقرون كل من موقعه، بان العدو الخارجي هو المستفيد من هذه الانقسامات ومن تدمير الصورة النموذجية للبنان حول التعايش السلمي والحضاري بينما تساهم غالبية الافرقاء في دفع الامور في اتجاه الصراع غير السلمي الذي يستهدف الطوائف بتبعة الخصومات السياسية.
وليست هناك اوهام لدى المتابعين من خارج لهذا الواقع على رغم ارتياح يبديه او يعبر عنه جميع رؤساء البعثات الديبلوماسية للدول المهتمة بلبنان الى التحسن الذي طرأ على الوضع في الاشهر الاخيرة، لكن ايا منهم لا يتوهم حول طبيعة هذا الاستقرار السياسي والامني النسبيين اللذين قاد اليهما هذا التحسن. اذ ان الجميع يبدون ارتياحهم الى ذلك، ولكن مع الحذر من ابداء آمال عالية وسط مخاوف مستمرة من انتكاسات مفاجئة نتيجة اقتناع بان لبنان لم يستعد حالا طبيعية، على رغم محاولات رئيس الجمهورية ابراز ذلك للخارج منذ انتخابه، وهذا امر يلقى ترحيبا وتشجيعا قويين على اساس انه يشكل مؤشرا الى عودة لبنان الدولة التي غيبت اصلا من دون ان يعني ذلك انها استعادت مواصفات الدولة. لكن الامر مختلف في اعادة تظهير لبنان مجتمعا تتعايش فيه طوائفه وتاليا مختلف الاديان بسلام، وغالبية الدول تعرف جيدا طبيعة ما يجري في لبنان.
فالاعتبارات الاقليمية التي تلقي ظلالها بقوة على الوضع الداخلي كفيلة وحدها اظهار لبنان مساحة لصراعات طائفية حادة هي ترجمة لصراعات سياسية معروفة. علما ان مشكلة العالم في الاساس لم تنطلق ايضا من صراعات دينية بل من حوادث سياسية تم استغلالها دينيا وتوظيفها على هذا الاساس. وتاليا فان مهمة رئيس الجمهورية في الحديث عن لبنان كأرض للحوارات الممكنة بين الاديان، صعبة في هذه الظروف تحديدا والامر اشبه، كما يقول بعضهم بمحاولة اميركا قبل اعوام قليلة انشاء خلية في البيت الابيض تعمل من اجل تحسين صورة اميركا في الشرق الاوسط. وقد اخفقت هذه السياسة لكونها استندت الى امر غير موجود، باعتبار ان بلورة الصورة وايجادها، في الاصل يساعدان في بيعها. وما لم تكن هذه الصورة موجودة يصعب تسويقها او بيعها من الخارج. والامر مماثل بالنسبة الى لبنان حيث العمل على ان يقوم لبنان فعلا وينهض على الحوار بين الاديان والطوائف المختلفة مجددا من دون حل للنزاعات السياسية (التي تم تحويلها مذهبية ايضا) من خلال السلاح، ولم يمر وقت طويل على تجربة هي الاشهر بعد انتهاء الاحداث في 7 ايار الماضي على اثر عامين من اقفال البلد. وتهدئة الوضع على هذا الاساس، وعلى اساس مصلحة لبنان ومستقبله بحيث يمكن ان يساهم هذا الواقع في ابراز هذه الفكرة مجددا الى الخارج وعلى ان لبنان يشكل نموذجا فعليا لذلك. وهذا لم يتحقق حتى الآن، ويصعب القول بتحققه قريبا باقرار غالبية اللبنانيين وفق استطلاعات اجتماعية.
لا بل يرى مراقبون ان الانتقادات التي صدرت من بيروت عن بعض الافرقاء لمؤتمر حوار الاديان لا تساهم في تسهيل مهمة سليمان في اعادة لبنان الى هذا الموقع بل على النقيض من ذلك، اذ تؤثر على هذا المسعى لان الانتقادات لا تحصل من منطلق سياسي ديموقراطي بل من منطلق طائفي وسياسي معا لا يتصل بلبنان وحده بل يجد امتداداته في المنطقة ايضا في التجاذب الضمني واحيانا العلني القائم بين الدول الاقليمية خصوصا، وان تكن ذريعته مشاركة اسرائيل في المؤتمر المنعقد في الامم المتحدة التي تضم كل دول العالم في الاصل، علما ان ثمة من يشير باستغراب الى عدم الاعتراض على حوار سياسي يقيمه بعض الدول العربية في شكل مباشر او غير مباشر مع اسرائيل، في حين يتم الاعتراض على حوار بين الاديان والحضارات ليس الا برعاية المنظمة الدولية.