من الادّعاءات السورية إلى الاستنابات العونيّة
يوم كانت تقع حوادث التفجير وتودي بحياة شخصيات سياسية وإعلامية من فريق سياسي محدّد هو فريق الرابع عشر من آذار كان ينبري رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون للردّ على مَنْ اتهم سوريا بتنفيذ تلك الجرائم ويدعو إلى انتظار التحقيقات والنتائج التي يمكن أن تدل على مَنْ اقترفها، لكنه هذه المرة وما أن سمع «اعترافات» جماعة «فتح الإسلام» لا بل الأكاذيب التي بثها الإعلام السوري حتى اختلطت عليه الأمور، فقد دعا إلى أن يأخذ التحقيق مجراه لكنه لم ينتظر النتائج بل سارع إلى إصدار «استنابات عونية» لرفع السرّية المصرفية عن بنك «البحر المتوسط» لمعرفة كيف كانت تُصرَف أموال هذا المصرف على الإرهاب وفق رؤيته المخابراتية وخبرته في وضع استراتيجية دفاعية لقيام حرب شعبية تتصدّى للإرهاب.
أوساط سياسية لم تخف ذكاء العماد عون الوقاد الذي حاول بل واصل حملته على «تيار المستقبل» من خلال كوّة فتحتها دمشق عندما اتهمت قيادة التيار بتمويل عصابة «فتح الإسلام»، فلجأ عون إلى الكاتب سيمور هيرش في مقالة له في العام 2007 تحدث فيها عن تورط قيادات في الأكثرية بدعم «فتح الإسلام» يوم كان الجيش اللبناني وبدعم كلي من فريق الرابع عشر من آذار يقضي على تلك العصابة في مخيم نهر البارد، إلا أن عون لم يستطع الاختباء طويلاً وراء مقالة هيرش أو خلف مقولته المتعلقة بانتظار نتائج التحقيق، إنما عمد إلى الإدانة وتسطير الاستنابات والطلب من سوريا والحكومة اللبنانية فتح التحقيقات حول هذه المسألة. وقد وجّه عون المعنيين في بيروت ودمشق إلى «وجوب رفع الحصانة عن الحسابات».. «هناك جرائم كبيرة ارتكبت.. فليرفعوا السرية المصرفية عن بنك البحر المتوسط!..» فهو قبل أن ينهي كلامه عن ضرورة التحقيق وجّه الإدانات وثبت الاتهامات، لكنه لم ينس أن يقول «… إنه يترك الأمر للقضاء لتبيان الوقائع والحقائق».
ويكشف المصدر أنه عشية ما يسمّى الإعداد لزيارة عون إلى دمشق، طلبت جهات سياسية مقرّبة من سوريا و»التيار الوطني الحر» وتعمل على خط هذه الزيارة، طلبت من عون وجوب المضي في سياسة التلاقي مع معظم الطروحات الدمشقية المتعلقة بلبنان لا سيما تلك التي تطال فريق الرابع عشر من آذار والعمل بكل الوسائل للإيقاع بين أطراف هذا الفريق أو بينه وبين رئيس الجمهورية. ويقول إنّ الزيارة التي قام بها وزير الداخلية زياد بارود إلى دمشق والتي شهدت اعتراضات ودعوات لتأجيلها على خلفية تزامنها مع ما بثته الأجهزة السورية من «اعترافات» لعصابة «فتح الإسلام».. هذه الزيارة بالغ فريق العماد عون في الإشادة بها وأدرج كل الاعتراضات في خانة النيل من رئيس الجمهورية وسلط الضوء على اعتبار الهدف من دعوات التأجيل إفشال عمل وزير الداخلية لا الاعتراض أو إدانة التلفيقات التي بثها الإعلام السوري.
ويؤكد المصدر أن قيادات في «التيار الوطني الحر» وتكتل «التغيير والإصلاح» مجنّدة خلال المرحلة الممتدة حتى زيارة العماد عون إلى دمشق للوقوف بشدة إلى جانب المواقف السورية المتعلقة بلبنان مقابل وعود حملها مقرّبون من القيادة السورية والعماد عون بشأن تسليف الأخير عدداً من القضايا المتعلقة بالوسط المسيحي، ولا سيما ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية بهدف استخدامها في الانتخابات النيابية المقبلة، وهي من الملفات التي من شأنها أن تدعّم بعض مواقع عون المتداعية عبر مؤشرات الانتخابات القطاعية التي أجريت على مستوى بعض الجامعات وقطاع المهن الحرة.
ويجزم المصدر بأن ثمة علاقة جذرية بين إفشال المصالحة المسيحية ـ المسيحية وبين ما طلبته سوريا من عون وجرى الاتفاق بشأنه مع أطراف مسيحية أخرى كانت أكثر وضوحاً من عون عندما قالت إنها لن تقدم على المصالحة لأن أهدافها انتخابية، مما يعني أنه لو جرت تلك المصالحة فإن «القوّات اللبنانية» وحزب «الكتائب» سوف يستفيدان منها انتخابياً، وهي بالتالي لن تكون في مصلحة تياري «الوطني الحر» و»المردة» اللذين يعملان ليل نهار من أجل رفد معركتهما الانتخابية بمقوّمات النجاح بعد سلسلة الانتكاسات التي منيوا بها في معارك انتخابية قطاعية.
وخلص المصدر إلى القول إن الفريق المسيحي في الثامن من آذار، وفي اللحظة التي بدأ يشعر فيها بأن قواعده تطالبه باتخاذ مساحة وإن شكلية عن الفريق الآخر في المعارضة وجد نفسه في الدائرة السورية الضيّقة التي لن تستطيع إعطاء عون كل ما يلزمه من أدوات في معركته الانتخابية خصوصاً أنّ معلومات «التيار الوطني الحر» الذي يحضر فريق منه لزيارة عون إلى دمشق تشير إلى أن ملف المفقودين في السجون السورية سينعكس سلباً على عون بسبب ما يتضمنه من معلومات عن مصير المفقودين الذين تعاملت دمشق معهم في مراحل سابقة على أنهم عملاء، الأمر الذي يجعل التيار أسيراً لسوريا وللفريق الآخر في حركة الثامن من آذار، وهو سيدفع بالتالي إلى أكثر المواقف تطرفاً وإثارة تبدأ بالفساد والتوطين لتنتهي عند اتهام إدارة جامعة ما بأنها عملت على إسقاط جماعته في الانتخابات الطالبية.. والمستقبل القريب سيظهر نوع الإثارات التي سيلجأ إليها التيار علها ترفد معركته الانتخابية.