#adsense

مركزية النموذج اللبناني رهن بانتصار المناصفة على المثالثة

حجم الخط

دولة يعيش فيها المسيحيون كمسيحيين والمسلمون كمسلمين
مركزية النموذج اللبناني رهن بانتصار المناصفة على المثالثة

يحتاج «حوار الأديان» إلى النموذج اللبنانيّ بما له وما عليه، ليستلهم منه ويستخرج الدروس والعبر، وليوجد فضاء مشتركاً بين أكثر المقاربات تنافراً، عابراً منها إلى حيث «الكلمة السواء».

يحتاج «حوار الأديان» إلى النموذج اللبنانيّ وليس لأيّ لبنان كان، وإنما لتلك التجربة الصعبة، والبركانية، لدولة يمكن أن يعيش فيها المسيحيون كمسيحيين والمسلمون كمسلمين، بل يمكن أن تكون الدولة مسيحية من وجهة نظر المسيحيين، ومسلمة من وجهة نظر المسلمين، من دون أن يكون في ذلك تناقض أو تعطيل. فالتنازع على الحصص وتزاحم الأولويات وإشتباك التأثيرات كلّها أمور يمكن أن تتعايش مع مبدأ التعايش نفسه، بل أن ترفده بالخبرة والوعي وتجعله قادراً على صقل مناعته وحماية نفسه بنفسه.

بدوره، يحتاج النموذج اللبناني لإعادة التعرّف على نفسه في مرآة «حوار الأديان»، فتعينه المشاهدة على إدراك ما الذي يشترك فيه مع سواه وما الذي يختص به ويشكّل فرادته. فإن كانت المسألة هي مجرّد تعايش مسيحيين ومسلمين في بلد واحد بنسب فيها «شبهة مناصفة»، فإن لبنان لن يشكّل استثناء، وإنما سيحتل مكانته بين كوكبة من الدول مثل ألبانيا وإرتريا وأثيوبيا ونيجيريا وساحل العاج. وليس بالمستطاع طبعاً تقديم لبنان كأكثر هذه النماذج لحمة داخلية أو أقلّها توتّراً بين مكوّناته. ألبانيا مثلاً هي أكثر «فرادة» من لبنان من هذه الزاوية وقد تعاملت حركتها القومية الحديثة في القرن التاسع عشر بشكل جديّ للغاية مع شعار «ألبانيا دين للألبان» وهو شعار استمّرت صلاحيته في المراحل الثلاث الإستقلالية الملكية ثم التوتاليتارية الشيوعية ثم المابعد شيوعية. هذا مع الأخذ بعين الحسبان أن المذابح اليوغوسلافية المتبادلة، خصوصاً في كوسوفو ذات الغالبية الألبانية، أرخت بثقلها على العلاقة بين مسلمي ومسيحيي ألبانيا في السنوات الأخيرة. في إرتريا أيضاً، التوتّر بين المسيحيين والمسيحيين المتقاربين عدداً هو أقلّ منه في لبنان ولو كان النظام القائم يصطدم أحياناً ببعض الجماعات الدينية المسيحية، وقد تكون الإنقسامات العرقية والقبلية فضلاً عن تجربة النضال المشترك ضد إثيوبيا ما أسهمت في ضبط التوتّر المسيحي ـ الإسلامي في تلك البلاد.

أين تكمن فرادة لبنان كتجربة مسيحية ـ إسلامية حافلة بل عصية على الإحاطة؟ ليس أبداً في ندرة التوتّرات أو ميلها للتقلّص عاماً بعد عام، وإنما في ذلك النموذج العبقري جدّاً لدولة تكون علاقة المسيحيين بها موافقة لتقاليدهم «اللاهوتية»، فتراعى الإستقلالية المتبادلة بين الكنيسة والدولة، وتميّز هذه الإستقلالية من خلال الخصوصية المعطاة للكنيسة المارونية ككنيسة «ولاّدة» أو مؤسّسة للكيان، في حين يدمج الإفتاء الإسلامي بالدولة ويصير مؤسسة من مؤسّساتها، إستبقاء لهذا البعد الأساسي من الإرث العثمانيّ.

بخلاف التجربة الألبانية، لم يكن لبنان بحاجة لا إلى الغلوّ القوميّ ولا إلى الإلحاد الشيوعيّ لإنضاج علاقة المسيحيين والمسلمين في ما بينهم. إنّما بخلاف النموذج الإرتريّ، فإن وجود جار جائر هو إثيوبيا بالنسبة إلى إرتريا وسوريا بالنسبة إلى لبنان، لم يكن له الأثر نفسه. ظلم ذوي القربى أو أبناء الجيرة وحّد الإرتريين في ما بينهم لكنّه قسّم اللبنانيين لعقود. كما أنّه إذا كانت التناقضات العرقية والإثنية هي عامل إمتصاص للتوترّات الدينية في إرتريا فإن التوتّرات الطائفية اللبنانية ما كانت تفصل كثيراً بين ما هو «بُعد دينيّ» وبين ما هو بُعد أهليّ أو إثنيّ.

فرادة لبنان بين هذه التجارب التي تقوم على «شبهة مناصفة»، والتي تطرح في كلّ منها مسألة «الديموغرافيا المتحرّكة» هي أنّه بلد توصّل من خلال الفلسفة الكيانية التي أوجدته إلى حيث يمكنه نقل هذه المناصفة من حالة «مصادفة عددية» عارضة يمكن أن يمحوها أي تعديل في نسب الولادات بين الطوائف إلى مناصفة دستورية استطاع الدستور الأوّل للبلاد أن يلتقط روحها من دون ان ينجح في حفظ مبناها فيما تكمن استثنائية الدستور الثانيّ، أو الطائف، في أنّه حاول أن يعطي لروح المناصفة المبنى الذي يمكنه أن يحفظها ويشدّ أزرها، وهو ما يتأتى بشكل أساسيّ من تكريس مبدأ توزّع المقاعد النيابية مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك الحقائب الوزاريّة، وإعتبار أي مثالثة سواء عند المسلمين في ما بينهم أو عند المسيحيين في ما بينهم على أنها تخضع لقاعدة المناصفة وليس العكس.

الأساس في فكرة المناصفة، أو روحها، أن لبنان مكوّن ليس من ثماني عشرة طائفة، وإنما هو بلد «نصلامي» (نحت من عنديات كمال يوسف الحاج) أي «نصراني إسلامي» في جوهره، وبالتالي مكوّن من طائفتين: مسيحية وإسلاميّة. الطائفة المسيحية تتوزّع على كنائس، والطائفة الإسلامية تتوزّع إلى مذاهب. الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين تحتاج إلى حدّ أدنى من الوحدة بين الكنائس في ما بينها، وبين المذاهب الإسلامية في ما بينها. التجربة اللبنانية عليها إذاً أن تشجّع العمل «المسكونيّ» التوحيدي بين الكنائس، وأن تسند «التقريب» العمليّ والمحسوس بين المذاهب الإسلاميّة.

يسمح إتفاق الطائف بتجذير هذا الوعي للمناصفة كأساس لوجود لبنان وإستمراره، وكتحرير للبنان من «بورصة الديموغرافيا». لكن هنا أيضاً ينبغي الحسم بين قراءتين ممكنتين للطائف: فإما قراءة له تعطي الأولوية لمسألة «المناصفة» كمحور تفسّر تبعاً له كل البنود الأخرى، وإما قراءته ربطاً بهدف «إلغاء الطائفية» السياسية كغاية تتسع لها كل التعديلات التي جاء بها. تجذير الوعي بالمناصفة بات يستدعي الآن أكثر من أي وقت مضى إعادة الإعتبار لها وتنحية موضوعة «إلغاء الطائفية».

هذه «المناصفة» وحدها هي التي تؤهّل لبنان ليصير نموذجاً مركزياً بالنسبة إلى «حوار الأديان»، وهي كذلك المحور الذي على أساسه ينبغي خوض الإنتخابات النيابية المقبلة: كي يتمكّن التيار الإستقلالي الدستوريّ من الظفر مجدداً بالأكثرية النيابية عليه أن يرفع شعار «المناصفة الكاملة والدائمة» فوق كل شعار آخر، وبالذات في وجه من يطرح «المثالثة» خلسة أو جهاراً، لأن هذه «المثالثة» التي تقوم على فرط الحدّ الأدنى من وحدة المسيحيين وفرط الحدّ الأدنى من وحدة المسلمين إنما تؤدّي إلى ضرب علّة وجود لبنان.

المناصفة ضد المثالثة.. شعار يكفل لوحده فوز 14 آذار بالإنتخابات إن رفعته.
لبنان كمركز لحوار الأديان.. هدف يستدعي قبل كل شيء تحويل الإجماع على مبدأ المناصفة إلى عنوان عريض يتجاوز «فريق 14 آذار» نفسه ويشكّل سمة تطبع عهد الرئيس ميشال سليمان ككل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل