خطة أوباما: إلحاق الهزيمة بالمشروع الإيراني المتشدد
واشنطن ترفض التفاهم مع طهران ضد الخليج ولبنان
"تلقت دول عربية وأوروبية بارزة تأكيدات من بعض مستشاري الرئيس الاميركي الجديد المنتخب باراك أوباما تفيد أن أوباما ينوي اعطاء الاولوية لمعالجة المشكلة الايرانية بجوانبها المختلفة لكنه لن يعقد أي صفقة مع ايران على حساب دول الخليج العربي والانظمة العربية المعتدلة او على حساب لبنان المستقل المتحرر من الهيمنة السورية، كما أنه لن يرضخ للمطالب الايرانية النووية والاقليمية، إذ ان هدفه الحقيقي الكبير هو إلحاق الهزيمة بالمشروع الايراني المتشدد الذي يشكل خطراً جدياً على أمن المنطقة واستقرارها وعلى الامن والسلم الدوليين. وأكد مستشارو أوباما لهذه الدول ان الرئيس الاميركي الجديد ينوي تسوية المشاكل العالقة مع ايران عبر المفاوضات وبالوسائل الديبلوماسية والسلمية، لكنه سيحتفظ ايضا بالخيار العسكري في التعاطي مع الجمهورية الاسلامية، كما انه سيتمسك خلال هذه المفاوضات مع الايرانيين بستة خطوط حمر أساسية، إذ إنه سيتعاطى مع النظام الايراني على أساس انه نظام معاد للأميركيين وان المطلوب منه اجراء تغييرات جذرية في توجهاته وسياساته من أجل فتح صفحة جديدة سلمية مع اميركا والغرب والمجتمع الدولي عموما".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على مضمون "سياسة أوباما الايرانية" وما ينوي القيام به في هذا المجال بعد تسلمه مهماته رسميا في 20 كانون الثاني 2009. وأوضحت ان المفاوضات المحتملة مع المسؤولين الايرانيين ستبدأ على المستوى الديبلوماسي ثم تجري على مستوى وزيري الخارجية وقد تصل الى حد عقد قمة بين الرئيسين الاميركي والايراني وفقا لتقدم هذه المفاوضات التي ستتناول في الدرجة الاولى الملف النووي الايراني وكذلك الاوضاع في العراق والخليج وافغانستان ولبنان اضافة الى النزاع العربي – الاسرائيلي والعلاقات الثنائية الاميركية – الايرانية.
وشددت هذه المصادر الاوروبية على أن هدف أوباما من هذه المفاوضات ليس الرضوخ لمطالب الايرانيين المتشددة، كما يحاول حلفاء المحور السوري – الايراني ايحاءه، بل ان هدف أوباما الحقيقي هو إلحاق الهزيمة، سياسيا وديبلوماسيا عبر المفاوضات بالمشروع الايراني المتشدد الخطر المتمثل في سعي الجمهورية الاسلامية الى امتلاك السلاح النووي والهيمنة على المنطقة وإضعاف الانظمة المعتدلة فيها بالتعاون مع القوى المتشددة المؤمنة بالعنف. ولن تقبل ادارة أوباما التعايش سلميا مع نظام ايراني متشدد وخطر على المنطقة ولذلك ستكون مهمة المفاوضين الاميركيين اقناع القيادة الايرانية بضرورة وقف تصدير مشروعها الثوري التغييري الى عدد من الدول والساحات العربية والتخلي عن خططها لامتلاك السلاح النووي والتعاون، بدلا من ذلك، مع المجتمع الدولي والمجموعة العربية من اجل تسوية النزاعات والمشاكل الاقليمية بالوسائل السلمية بما يؤدي الى تعزيز فرص السلام في الشرق الاوسط وبما يحقق لايران مصالحها المشروعة ويعزز علاقاتها العربية والدولية.
وأكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان أوباما لن يقدم الى المسؤولين الايرانيين عرضا افضل من العرض الدولي السخي الذي قدمته اليهم الدول الست الكبرى أميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والمانيا. ان هذا العرض الدولي يدعم صراحة ورسميا حق ايران في امتلاك برنامج نووي سلمي متطور، ويتضمن استعداد هذه الدول الكبرى لمساعدة ايران تقنيا وماليا لتطوير برنامجها النووي السلمي هذا ولدعم بناء مفاعل نووي في ايران يعمل بالماء الخفيف، كما يضمن استعداد الدول الكبرى لتطوير علاقات التعاون والتنسيق مع الجمهورية الاسلامية في مختلف المجالات، في حال أوقفت عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيها ووضعت حدا لكل نشاطاتها الهادفة الى انتاج السلاح النووي. وأي عرض سيقدمه فريق أوباما الى الايرانيين سينسجم مع مضمون هذا العرض الدولي في توجهاته الاساسية، ولن يذهب أبعد من ذلك. وقد رفضت القيادة الايرانية قبول هذا العرض الدولي حتى الآن وأصرت على مواصلة عمليات تخصيب الأورانيوم في أراضيها وسائر النشاطات التي تجعلها قادرة خلال مستقبل قريب على امتلاك السلاح النووي، اذا لم يتم وضع حد لهذه العمليات والنشاطات.
ستة خطوط حمر
وفي هذا المجال أكد أحد مستشاري أوباما لوزير اوروبي التقاه اخيرا: "ان المسؤولين الايرانيين يخطئون تماما حين يتصرفون على اساس ان المرحلة الحالية هي مرحلة الانتصار الايراني والهزيمة الاميركية، وان على الدول الكبرى بالتالي التعاطي والجمهورية الاسلامية على اساس انها هي المنتصرة ويجب تقبل مطالبها النووية ومعالجة المشاكل الاقليمية بما يؤمن مصالحها ومصالح حلفائها. وصحيح ان الولايات المتحدة تواجه مصاعب كبيرة في العراق وافغانستان لكن ايران في المقابل ليست منتصرة وسوريا كذلك ليست منتصرة اذ ان الاميركيين يملكون امكانات وقدرات كبيرة لمواجهة الايرانيين وخططهم في حال فشلت الجهود الديبلوماسية والسلمية في التوصل الى اي تفاهمات معهم".
وشدد مستشار اوباما على ان "المفاوضات الاميركية المقبلة مع الايرانيين تهدف، في جانب منها، الى انقاذ ايران من اوهامها وحساباتها الخاطئة ومن ثقتها المفرطة في الذات من خلال تنبيه القيادة الايرانية، صراحة ومباشرة، الى اخطار سياستها النووية والاقليمية المتشددة".
وكشفت مصادر ديبلوماسية غربية وثيقة الاطلاع في باريس ان اوباما سيتمسك بستة خطوط حمر ومحظورات خلال المفاوضات المقبلة مع المسؤولين الايرانيين هي الآتية:
اولا، أوباما يرفض بشكل كامل وقاطع امتلاك ايران السلاح النووي، ولن يقبل التعايش مع إيران نووية، لأن ذلك يشكل تهديدا بالغ الخطورة ليس فقط لمنطقة الخليج وللامدادات النفطية، وخصوصا ان هذه المنطقة تحتوي على اكثر من 60 في المئة من الاحتياط النفطي العالمي وعلى كميات هائلة من الغاز، بل ان ذلك سيشكل تهديدا مباشرة للولايات المتحدة ولمصالحها الحيوية وللأمن والسلام في الشرق الاوسط عموما وفي العالم.
ولذلك سيتمسك فريق اوباما بضرورة ان تؤدي اي مفاوضات مع الايرانيين الى وقف عمليات تخصيب الاورانيوم في الاراضي الايرانية، والى وضع حد نهائي لكل نشاطاتهم التي تمكنهم من انتاج السلاح النووي. واذا ما رفض الايرانيون هذا الطلب فان المفاوضات ستفشل وستلجأ الادارة الاميركية حينذاك الى خيارات اخرى للتعامل مع هذا الخطر الايراني، منها تشديد العقوبات خارج اطار مجلس الامن، ومنها استخدام القوة العسكرية، اذا دعت الحاجة، لوقف المشروع النووي التسلحي الايراني.
ثانيا، يرفض أوباما كليا اي هيمنة ايرانية مباشرة او غير مباشرة على منطقة الخليج العربي ذات الاهمية الاستراتيجية والحيوية القصوى بالنسبة الى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عموما. ولذلك لن تكون عملية التفاوض مع ايران على حساب دول الخليج، كما يحاول حلفاء دمشق وطهران الايحاء، بل ان اوباما يريد ان تؤدي المفاوضات مع ايران الى تعزيز الامن والاستقرار في الخليج والى وقف اي نشاطات او مساع اسرائيلية للتدخل في شؤون الدول الخليجية وكمحاولة فرض الشروط والمطالب الايرانية عليها.
ثالثا، يرفض أوباما ان يؤدي انفتاحه السياسي المشروط على ايران الى عقد "صفقة ما" مع "العالم الشيعي" على حساب "العالم السني" او على حساب الانظمة العربية المعتدلة او على حساب لبنان المستقل السيد. بل ان اي مفاوضات سيجريها فريق اوباما مع المسؤولين الايرانيين ستهدف الى تغيير توجهات النظام الايراني المتشددة المعادية للانظمة المعتدلة والى وضع حد للاحتقان الشديد بين السنة والشيعة نتيجة ممارسات ايران وحلفائها خصوصاً.
رابعاً، اوباما يرفض ان تؤدي المفاوضات مع النظام الايراني الى "صفقة ما" يتم على اساسها وضع العراق تحت الهيمنة الايرانية لان ذلك يتعارض كلياً مع مصالح العراقيين انفسهم ومع المصالح الاميركية الحيوية في المنطقة. بل ان اوباما يريد من خلال هذه المفاوضات وضع حد للتدخلات الايرانية السلبية في شؤون العراق واقناع القيادة الايرانية بالتعاون مع اميركا ودول اخرى من اجل تسهيل قيام نظام عراقي جديد مقبول داخلياً وخارجياً وفي اطار صيغة متوازنة لتقاسم السلطة وتوزيع صلاحيات الحكم والثروات النفطية والمائية بطريقة مقبولة من مختلف الافرقاء العراقيين.
خامساً، يرفض أوباما سحب القوات الاميركية من منطقة الخليج وجوارها، كما يريد الايرانيون، بل ان الرئيس الاميركي الجديد يتمسك ببقاء القوات الاميركية في هذه المنطقة لسنوات طويلة اخرى بعد الانسحاب الاميركي التدريجي من العراق، وذلك لمنع ايران من الهيمنة بشكل او اخر على هذه المنطقة ذات الاهمية الاستراتيجية والحيوية القصوى. وما يريده اوباما من وراء الانفتاح المشروط على ايران ليس تعزيز نفوذ المتشددين المؤمنين بالعنف بل تقوية المعتدلين العرب الراغبين في تسوية النزاعات ومعالجة المشاكل بالوسائل السلمية.
سادساً، يريد أوباما ايضاً ان تؤدي عملية التفاوض مع ايران الى ازالة اي خطر ايراني محتمل على اسرائيل وتعزيز امن الدولة العبرية، وهو ما يتطلب منه منع الجمهورية الاسلامية من امتلاك السلاح النووي خوفاً من ان يؤدي ذلك الى نشوب نزاع نووي في الشرق الاوسط.
واكدت المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة ان أوباما سيؤكد للمسؤولين الايرانيين خلال مفاوضات فريقه معهم التزامه عدم التدخل في الشؤون الداخلية الايرانية والعمل على تحسن العلاقات الثنائية مع ايران وتطويرها وتسوية الخلافات العالقة بين البلدين عبر الحوار، في مقابل اجراء التغييرات الأساسية في سياسات النظام الايراني وتوجهاته بما يعزز الامن والاستقرار والسلام في المنطقة، وفي مقابل تخلي الجمهورية الاسلامية عن كل خططها لانتاج السلاح النووي واكتفائها بالاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي، واذا ما تم التوصل الى اتفاق اميركي – ايراني مقبول من الطرفين، فان ادارة اوباما ستركز جهودها على دفع ايران ودول الخليج للتوصل الى تفاهمات امنية مشتركة في اشراف اميركي ودولي ملائم بهدف تعزيز الامن والاستقرار في هذه المنطقة في اطار احترام استقلال وسيادة كل دولة فيها. واذا ما تم التوصل الى اتفاق اميركي – ايراني مقبول من الطرفين فان ادارة اوباما ستعمل على انشاء آلية جديدة للتشاور والتنسيق بين واشنطن وطهران في شأن قضايا اقليمية ودولية عدة بما يؤدي الى تعزيز الامن والاستقرار والسلام في العراق ولبنان وساحات أخرى.
وأكد لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع "ان فريق أوباما يراهن على وجود استعداد لدى القيادة الايرانية للتعامل بمرونة وانفتاح مع الرئيس الاميركي الجديد وتقبل مطالب معينة يقدمها اليها على أساس ان ذلك لن يشكل رضوخاً واستسلاماً لادارة اميركية معادية لها، كما هي الحال مع ادارة الرئيس جورج بوش، بل ان ذلك يمكن ان يدخل في اطار الرغبة الايرانية في فتح صفحة جديدة مع ادارة اميركية راغبة في تحسين العلاقات معها وإن بشروط. وستظهر عملية التفاوض بين الاميركيين والايرانيين اذا كان رهان فريق أوباما هذا صحيحاً أم لا. لكن الامر الاكيد هو ان هذه المفاوضات الاميركية – الايرانية المقبلة ستكون صعبة ومعقدة لان النظام الايراني لن يتخلى بسهولة عن سياساته وتوجهاته الحالية وعن خططه لانتاج السلاح النووي".