أحلام يقظة
لم تغب حدّة التجاذبات السياسية عن المشهد العام، على الرغم من توافق الجميع على طاولة الحوار بالالتزام بالتهدئة، والابتعاد عن التصعيد رحمة باللبنانيين الغارقين ما عدا قلة ضئيلة لا تتجاوز العشرة بالمئة في متاعب الحياة والبحث عن مورد ضائع بين أكوام التصريحات العنترية، والادعاءات البهلوانية لمن يدعون انهم مسؤولون عن حمايتهم وتوفير الحياة الكريمة لهم.
وهؤلاء اللبنانيين يتساءلون بحسرة على ماذا يختلف الولاة، وهم الذين تلوا فعل التوبة واعترفوا بأخطائهم كي لا نقول اكثر على خشبة مؤتمر الدوحة، واقسموا على تواقيعهم التي مهروا بها ذلك الاتفاق، على ان يعودوا من هناك متصالحين وان بقوا في مواقع سياسية مختلفة لأن استمرارهم في خلافاتهم يشكل خطراً على وجود الدولة واستمراريتها وبالتالي على الشعب الذي فقد صبره من مماحكاتهم ورهاناتهم التي لا تمت بأي صلة لا بالمصلحة العامة، ولا بأية مصلحة ذات صلة بالوطن وشعبه.
نقول على ماذا يختلفون اليوم بعدما كانوا اتفقوا في الدوحة على ان يتفقوا إلا اذا كانوا مكرهين، وحتى لو كان الامر كذلك، فلماذا يعودون الآن الى تصعيد الخطاب السياسي، هل الانتخابات النيابية هي السبب، والمبرر والحافز لأن كل فريق يسعى منذ الآن الى إستنفار شارعه وإبقائه كذلك حتى يحين موعد الانتخابات ويفوز بالاكثرية العددية في مجلس النواب المقبل.
وحتى اذا كان الامر كذلك، فهذا لا يستأهل كل هذا التجاذب الحاد والعودة الى لغة الاتهام المتبادلة، والى تعبئة الشارع وإعادة عقارب الساعة الى ما قبل اتفاق الدوحة، الا اذا كانت المعادلة التي حكمت ذلك الاتفاق تغيرت، وشعر هذا الفريق او ذاك ان أمامه فرصة متاحة للانقضاض على الآخر وإلغائه، ولو كان مثل هذا التفكير عقيماً ولا امكانية لتحقيقه بحكم المعادلة الداخلية التي لا تسمح بتغليب فريق على فريق، او استفراد احدهما بالسلطة.
وهذا الكلام ليس من صنع الخيال والاوهام وانما هو استعارة لكلام الذين تصوروا أنفسهم أنهم الاقوى بحكم قوتهم العسكرية، كلام قالوه علناً وجهراً ومن منطلق الاعتراف بسقوط محاولتهم السيطرة وفرض امر واقع جديد يغير في طبيعة التركيبة الجيوسياسية.
فلماذا اذن كل هذا التجاذب وما هو جدواه، الا اذا كان هناك فريق انقلب على اتفاق الدوحة، وعاد الى الاستقواء بقوته لفرض ما يعتقده انه واقع جديد. لكنه واهم وما يراه لا يتعدى احلام اليقظة.