#adsense

الصوت المسيحي في الانتخابات يحدّد الوجهة الحاسمة مع سوريا

حجم الخط

قلق من اتجاهات قد تعيد نفوذاً بدل فتح صفحة متوازنة في العلاقات
الصوت المسيحي في الانتخابات يحدّد الوجهة الحاسمة مع سوريا

هل يمكن أن يصوت المسيحيون في الانتخابات النيابية المقبلة لعودة النفوذ السوري الى لبنان؟

السؤال يطرح بهذه الصيغة القاسية والمباشرة في موازاة التعقيدات والصعوبات التي تشهدها اعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، مع ان طي صفحة العداء بين البلدين تشكل مصلحة كبرى للمسيحيين أسوة بالطوائف اللبنانية الاخرى إن لم يكن أكثر.

ولكن الظروف السياسية الراهنة، وبدء الاستعدادات للانتخابات النيابية التي توظف فيها كل العوامل الخارجية والداخلية، تسلط الضوء على التصويت المسيحي في الانتخابات كعامل مهم جدا. ذلك ان مساهمته في اعطاء الاكثرية النيابية لقوى 8 آذار، وإن على سبيل النكاية بالأفرقاء الآخرين في قوى 14 آذار على طريقة "ليس حباً بعلي بل كرها بمعاوية"، يعني التسليم بواقع جديد مبني على تحالف هذه القوى مع سوريا ورغبتها في اعادة الامور الى ما كانت قبل خروج القوات السورية من لبنان، وإن من دون عودة هذه القوات عمليا، وتحت شعار اعادة لبنان الى محور الصمود في مواجهة المحاور الاخرى. وجميع الدول المهتمة بلبنان يقلقها التحول المسيحي الذي يقوده اطراف مسيحيون رئيسيون وتسأل باهتمام عن صحة هذا التحول ومداه حيال سوريا، وما إذا كان سيترجم في الانتخابات المقبلة. ومصدر القلق يتصل بمعرفة وثيقة بأن سوريا لم تبلغ بعد حد الاقتناع بتغيير اسلوب التعاطي ولبنان كبلد سيد ومستقل على رغم "بيع" اقامة علاقات ديبلوماسية معه من فرنسا، في حين لا تزال بين سوريا وفريق كبير من اللبنانيين حال من عدم الود لا بل اكثر من ذلك مردها الى ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري والمحكمة الدولية، فضلاً عن ان سوريا تتصرف بانفعال حيال لبنان والافرقاء فيه وتعتبر نفسها معنية وجزءا من الصراع الدائر فيه على المستويين الداخلي والاقليمي.

ومصدر القلق ايضا يتصل بانه في حال ساهم المسيحيون في تأمين الاكثرية النيابية الى القوى الحليفة لسوريا لا بل تحولهم كليا فريقاً مكتمل المواصفات من ضمن هذا الفريق قبل اكتمال فصول رئيسية من تصويب العلاقات اللبنانية – السورية وقيام حد ادنى من التوازن فيها، فانهم لا ينقضون نضالهم وتضحياتهم خلال 30 عاما من الحرب فحسب، بل انهم يساهمون ايضاً بارادتهم في اعادة لبنان الى فلك النفوذ السوري.

فالدعم الدولي الكبير الذي توافر للبنان لتخليصه من الوصاية السورية لا يمكن ان يتكرر، نظراً الى اعتباراته وظروفه، لكن المسيحيين تحملوا مسؤولية ادخال السوريين الى لبنان في بداية الحرب من خلال المتداول عن طلب "الجبهة اللبنانية" آنذاك من سوريا التدخل لحماية المسيحيين من الفلسطينيين. الا انهم حملوا وحدهم تقريبا لواء اخراج السوريين من لبنان واستعادة لبنان سيادته واستقلاله من دون نجاح كبير يذكر، لأن الاقلية التي تحول اليها المسيحيون خلال الحروب المتواصلة افقدتهم الكثير من وزنهم وتأثيرهم. وحين تلاقت جهودهم مع التحول اللبناني من الطوائف الاخرى بعد اغتيال الرئيس الحريري تحقق انسحاب القوات السورية من لبنان. ودعم المجتمع الدولي هذا التوجه. لكن هذا المجتمع لا يستطيع عمليا بذل الكثير متى عاد النفوذ السوري بصورته القديمة، وإن مخففة، او حماية لبنان منه اذا ساهم المسيحيون في تأمين اكثرية نيابية تشكل الغطاء الرسمي والعملاني لعودة هذا النفوذ. أما الواقع الذي اصبح عليه المسيحيون راهنا، فإنه لا يسمح لهم بخوض حروب جديدة يمكن كسبها على هذا الصعيد، أكانت سياسية أم غير سياسية، ولن يتمتع المسيحيون باي صدقية للحصول على اي دعم من أي نوع في هذا الاطار.

وفي رأي هؤلاء المهتمين، ان تحويل شعار الانتخابات صراعاً داخلياً فحسب تحت عنوان الفساد او ما شابه من الاتهامات الاخرى ليس واقعيا، بل يرمي الى تغييب العامل السوري الذي لا يمكن تجاهله او نكران وجوده او حتى تجاهل الطموحات السورية في هذا الاطار. فالسوريون لا يخفون دعمهم لحلفائهم في قوى 8 اذار منذ ما قبل الاعتصام في العاصمة وشلها لأكثر من عامين، وكل الدول المهتمة فاوضتها سوريا او سعت الى مفاوضتها من موقع تبني مطالب حلفائها. وليس خافيا لهؤلاء المهتمين في ضوء مواقف سوريا المعلنة او المضمرة انها تعمل بقوة من اجل قلب المعادلة السياسية في لبنان من خلال الانتخابات المقبلة على اساس انه يحقق عودة سوريا بواسطة حلفائها على ما يعلن كثر من هؤلاء أخيراً، مما يساهم في عودتها الى الامساك بمجلسي النواب والوزراء وسائر المفاصل الامنية والسياسية الاخرى.

ومصدر القلق او الاسف بالنسبة الى هؤلاء المهتمين هو احتمال ان يعجز المسيحيون عن فرض دور متوازن لهم يكفل طي صفحة العداء مع سوريا ويضمن في الوقت نفسه عوامل السيادة الكاملة للبنان، مما يضيع كل الجهود اللبنانية وخصوصا المسيحية وكذلك الجهود الدولية في تأمين السيادة والاستقلال الكاملين للبنان. ومسؤولية المسيحيين ستكون مزدوجة بالنسبة الى هؤلاء المهتمين من حيث تأمين الغطاء السياسي لأي محاولة لعودة هذا النفوذ بصورته القديمة، علما ان جميعهم عملوا خلال ولاية الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود على اظهار ان المسيحيين ليسوا مع رئيسهم في طبيعة علاقته مع سوريا، في حين ينحو الوضع راهنا الى النقيض مع رئيس في موقع الوسط والمقبول بالنسبة الى المسيحيين في المبدأ، بينما يشد اطراف مسيحيون في اتجاه تطبيع مع سوريا يخشى ان يستعيد الوضع الذي قدمه اليها الرئيسان الهراوي ولحود على ما ساد بعد اتفاق الطائف، ولكن من دون وجود عسكري مباشر.

اما وان مسيرة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين قد بدأت، فان هؤلاء المهتمين يرون ان افضل الطرق ترك الامور لرئيس الجمهورية والمؤسسات الرسمية من دون اي "شراكات" سياسية، أقله في مرحلة الاقلاع الاولى لإعادة تطبيع العلاقات مما يوفر له فعلا الدعم المسيحي الحقيقي الذي يحتاج اليه في هذه المهمة الاساسية.

فهل يتحمل المسيحيون المسؤولية التاريخية في تصويب العلاقة مع سوريا من دولة الى دولة، ام يتركون الصراعات تأخذهم الى حيث يريد بعضهم اخذهم اليه من صراعات المحاور التي قد يدفعون ثمنها من وجودهم وبقائهم في لبنان؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل