المكافحة الجدية للفساد لا تكون بإطلاق الكلام والاتهامات جزافاً
لماذا لا توجّه أسئلة واستجوابات وتشكّل لجان تحقيق؟
يكثر الكلام في الآونة الاخيرة على الفساد السياسي والاداري وعلى المفسدين والفاسدين مع تبادل الاتهامات والتحديات بطلب فتح كل الملفات وتشكيل لجان تحقيق برلمانية وقضائية لمعرفة الحقيقة وتحديد مكان هذا الفساد وفي اي ادارة وعند اي سياسي او حزب او كتلة، وهل ان هذا الفساد يتجسد ليس فقط في الموجودين في الحكم بل بالاكثرية النيابية التي يجب ان تحاكم كما قال العماد ميشال عون في تصريح اخير له، فجاء الرد عليه سريعا باثارة النائب غازي يوسف موضوع الهاتف الخليوي وطرح تساؤلات تفوح منها الروائح.
الواقع، ان الكلام على الفساد لم يتوقف في اي عهد لكنه غالبا ما ظل كلاما للاستهلاك السياسي او الانتخابي من دون ان يقترن باجراءات عملية تكشف الحقيقة، وهو ما دفع السياسيين المشهود لهم بالنظافة والشفافية الى القول ان العيب ليس بوجود فساد في لبنان وهو موجود في كثير من الدول، انما العيب هو في عدم ملاحقة الفاسدين والمفسدين واحالتهم على القضاء كما يحصل في هذه الدول لكي تكون محاسبتهم عبرة لسواهم. فكل عهد في لبنان كان يتغاضى عن تجاوزات وارتكابات واختلاسات من سبقه، مما عزز الفساد وجعله يستشري في الادارات والمؤسسات وكذلك بين السياسيين ما دام لا محاسبة ومساءلة ولا عقاب بل تسويات ومساومات الا اذا استطاع الناخبون ان يحاسبوهم بواسطة الورقة التي يضعونها في صندوق الاقتراع، هذا اذا توافرت لهم حرية التعبير عن ارادتهم، او لم يجعلوا هذه الحرية معروضة للبيع والشراء. فلا يبقى عندئذ محاسبة لكل مرتكب ومختلس لا امام القضاء ولا في الانتخابات النيابية. فتقارير التفتيش المركزي تكشف كل عام سيلاً من المخالفات والفساد وتوحي باتخاذ قرارات بين احالة على المجلس التأديبي او على القضاء واقتراح وفرض عقوبات مسلكية وسواها من العقوبات، لكن هذه التقارير تفادت الرؤوس الكبيرة، لئلا تطير رؤوس من وضعوا هذه التقارير… مع ان بعض الوزراء كانوا يوقعون المعاملات المخالفة للقانون بعبارة: "مع الاصرار والتأكيد" خلافا لقرار مجلس الوزراء، وهو ما جعل الفساد اكثر المواضيع اثارة في لبنان وتحقيق الاصلاح الاداري والسياسي اكثر المواضيع الشائكة لاعتبارات سياسية حينا ومذهبية حيناً آخر. وفي كل عهد تفوح رائحة الفساد وتنشط محاولات اخمادها عبر اصلاح موعود لكن ما من عطار وصل الى الحكم استطاع ان يصلح ما افسده الدهر… اذ بدا له ان هذا الفساد الذي بدأ في عهد بني عثمان الى اليوم تصعب مكافحته ومحاسبة مرتكبيه، وان الاصلاح الاداري والسياسي هو اصعب الممكن في دولة كل شيء فيها تقريبا فاسد، وهو ما جعل وزير الاقتصاد والتجارة محمد الصفدي يقول في حديث اخير له، بالنسبة الى الاصلاح الاداري: "لدينا معوق سياسي وطائفي ومالي. الا اننا تمكنا من الاتفاق في مجلس الوزراء على وضع آلية لتعيين المديرين العامين الذين تحتاج اليهم الادارة او اي مركز شاغر. وهذه الآلية بعيدة من السياسة والطائفية من اجل وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويضيف: "ان موضوع اللامركزية الادارية مطروح الان بقوة ولا سيما من رئيس الجمهورية، وهي تساعد في تحسين اوضاع الادارة وتسهيل امور المواطنين عبر ازالة الكثير من السلطة المركزية التي تقبض على كل المفاصل الادارية وذلك توصلا الى تبسيط العمل وتخفيف القيود كي تنجز الاعمال والمعاملات بسرعة".
لكن هل مجرد الاتفاق على آلية التعيين، وقد سبق ان صار اتفاق في الماضي على مثلها، فظلت التجاذبات السياسية والاعتبارات الطائفية تحول دون اجراء التعيينات على اساس وضع الموظف المناسب في المكان المناسب وهو ما ساعد على عدم تطبيق سياسة الثواب والعقاب، وجعل الفساد يستشري ويتحول عقبة امام التنمية الاقتصادية ويولد فقرا ولا سيما الفساد في المناقصات سواء بواسطة التراضي وهي الاكثر استشراء او حتى بواسطة المزاد او المناقصة اذ يجعل الدولة الفاسدة تنتج مواطنا فاسدا كما تجعل السياسيين يدركون حرج الادارة السليمة والنزيهة بتدخلاتهم ويحوّلون ولاء الموظف لغير الدولة، كما يجعل وزراء يحولون وزاراتهم الى ممالك… الامر الذي يطرح بإلحاح فصل الادارة عن السياسة والسياسة عن الادارة، وكذلك فصل النيابة عن الوزارة كي لا يبقى ثمة من يحاسب عندما يكون الوزير نائبا والنائب وزيرا…
ولكي لا يظل الاصلاح في لبنان مجرد كلام موسمي بحيث انه كلما خطا خطوة الى الامام يخطو خطوتين الى الوراء وكي لا يظل الفساد حديث كل عهد بدون اتخاذ اجراءات عملية تكفل مكافحته بغير الكلام الاستهلاكي او لدوافع سياسية او انتخابية او مذهبية، ومن هذه الاجراءات تفعيل عمل هيئات الرقابة وابعادها عن اي تدخل، وتشكيل لجنة تحقيق قضائية او نيابية عند ظهور فضيحة او صفقة مشبوهة لكشف الحقيقة، فلا تظل الاتهامات تطلق بدون دليل ولدوافع سياسية او انتخابية. عدا ان النائب الذي يطلق مثل هذه الاتهامات ويلقي الكلام على عواهنه، عليه ان يمارس حقه وواجبه تجاه المواطن والوطن بتقديم سؤال الى الحكومة او تحويله استجوابا ينتهي بطرح الثقة اذا لم يقتنع بالجواب.
ولوحظ ان معظم مطلقي الاتهامات لم يقوموا بواجبهم على النحو المطلوب ووفقا للاصول، لا بتوجيههم اسئلة او استجوابات الى الحكومة كي يعين رئيس المجلس جلسة خاصة لمناقشتها، ولا يطلب تشكيل لجنة تحقيق قضائية او برلمانية كما كان يفعل نواب في الماضي قياما بواجباتهم اذ انهم كانوا يتجنبون توجيه الاتهامات بدون دليل ومستمسكات، بل كانوا عند مناقشة اسئلتهم او اجوبتهم يحضرون ملفا كاملا يثبت بما يتضمنه من ادلة ووثائق صحة اتهاماتهم وصدق كلامهم.
لقد اتهم العماد ميشال عون الرئيس السنيورة في حديث له انه "سارق الخزينة" وقال "ان الفساد يتجسد ليس فقط في الموجودين في الحكم بل بالاكثرية النيابية التي يجب ان تحاكم" واتهم مع سواه الهيئة العليا للاغاثة بتبديد الاموال العامة، فرد الرئيس السنيورة بطلب عقد جلسة نيابية تخصص لمناقشة هذه الاتهامات كي يعرف الناس مدى صحتها فتحاسب الحكومة، ومدى بطلانها فيحاسب من اطلقها. ولا صار توجيه سؤال او استجواب حول هذه الاتهامات مقرونة بالادلة. والبراهين كما كان يفعل النواب الجديون في الماضي ليعرف الناس الحقيقة، ولا يظل الكلام يطلق على عواهنه، والاتهامات تطلق من دون دليل ولا برهان، ولا مجلس الوزراء يقول كلمة فيها ولا حتى مجلس النواب وهو المكان الطبيعي للمساءلة والمحاسبة، وليست وسائل الاعلام وحدها من تطلقها بهدف التشهير او المزايدة او المتاجرة السياسية فقط.