#adsense

المخابرات السورية تروّج لتخلص “تيار المستقبل” من حلفائه الإسلاميين

حجم الخط

بعد ورطة الاعترافات المتلفزة
المخابرات السورية تروّج لتخلص "تيار المستقبل" من حلفائه الإسلاميين

لم يعد خافياً مدى الورطة التي وقعت فيها المخابرات السورية بعد عرضها الفيلم الأخير على التلفزيون السوري الرسمي، خصوصاً بعد طلب النائب سعد الحريري بلجنة تحقيق عربية، ومتابعته هذا الطلب عبر جامعة الدول العربية.

الفيلم دليل إدانة وهدية للخصوم

بالتأكيد فإن مخرج فيلم "الإرهاب السوري" الأخير لم يقصد أن يقدّم مادة تدين نظامه، لكن النتيجة التي حصلت بالفعل، أن القضاء اللبناني حصل على معلومات إضافية، قدّمتها المخابرات السورية في الفيلم، لإعطاء نوع من المصداقية على الإفادات المتلفزة، فصارت هذه المعلومات بتصرف القضاء اللبناني، بما يخدم التحقيقات مع الموقوفين في قضايا إرهابية، كما أكد أمس وزير العدل إبراهيم نجار. كما استفادت القوى الأمنية من معلومات أخرى وردت في الفيلم، فنفّذت سلسلة اعتقالات من شأنها أن تزيل التباسات وتحبط مخططات. أما المعلومات الملفقة في الشريط، وخصوصاً تلك التي تتهم "تيار المستقبل" بالمسؤولية عن انفجار دمشق بشكل مباشر أو غير مباشر، فإنها تحوّلت سريعاً إلى مادة مفيدة لقوى "14 آذار"، إذ فتحت هذه الاتهامات السورية المتهافتة الباب نحو ردود سياسية، وصلت إلى حد طلب لجنة تحقيق عربية، كما هيأت الأجواء لإظهار اعترافات موثقة (استجابة لطلب بعض الأبواق السورية في لبنان التي طالبت بالرد عبر الوثائق)، الأمر الذي جعل النظام السوري في موقف أضعف، وكذلك حلفاءه الذين أصيبوا بصمت القبور بعد عرض صحيفة المستقبل إفادات موقوفي "فتح- الإسلام" الموثقة قضائياً.

وزيادة على "الخدمة" التي قدّمتها المخابرات السورية للقضاء والأمن اللبنانيين، ولقوى "14 آذار"، فقد استفادت من الاعترافات المتلفزة جهتان دوليتان؛ لجنة التحقيق الدولية، بما أن تفجيراً واحداً على الأقل داخلٌ في اختصاصها، وهو تفجير عين علق المتهمة فيه "فتح-الإسلام"، وقد بات بحوزتها، بالصوت والصورة، رواية المخابرات السورية عن أحداث ترتبط بالجهة المتهمة بتنفيذ أعمال إرهابية في لبنان. أما الجهة الدولية الأخرى فهي الولايات المتحدة الأميركية التي تتهم سوريا بالوقوف وراء تصدير الإرهاب إلى العراق، وبزعزعة الاستقرار في لبنان، وقد أسهم هذا الشريط بتقديم دليل إدانة للنظام السوري، من باب تلاعبه بالمجموعات الإسلامية، وتسهيله لها التوجه إلى العراق حيناً، وتشجيعه توجهها إلى لبنان حيناً آخر، لخدمة أهدافه هو، التي تتقاطع أحياناً مع أهداف الكثير من المجموعات المتطرفة.

معلومات المستقبل الموثقة

لم يكن خافياً قبل نشر صحيفة المستقبل لاعترافات موقوفي "فتح- الإسلام"، أن الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية تمتلك اعترافات موثقة تُثبت ارتباط "فتح الإسلام" بالنظام السوري، بل إن ثمة من طلب من الرئيس فؤاد السنيورة في مرحلة سابقة أن يسمح بنشر هذه الاعترافات في معرض الذب عن حكومته وعن "تيار المستقبل"، لكن رد السنيورة كان ينطلق من كونه رجل دولة، يفكر بطريقة تختلف عن تفكير الذين يقفون وراء "فيلم الإرهاب" السوري الأخير، الذين لو كانوا يملكون ما تمتلكه الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية من معلومات لأنتجوا مسلسلات تلفزيونية كاملة.
مضت أشهر من التشكيك الذي أسهم فيه ـ للأسف الشديد ـ شخصيات وقوى لبنانية، لم يكن همها سوى النيل من مصداقية فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، إلى أن تهيأت الظروف لنشر الاعترافات الأخيرة، والتي تثبت رعاية النظام السوري لـ "فتح-الإسلام"، ابتداءً بتوقيع بشار الأسد لمراسيم العفو عن المعتقلين الإسلاميين، ثم تسهيل وصولهم إلى لبنان، وتنفيذ مسرحية الانقلاب الأبيض على "فتح ـ الانتفاضة"، ووضعه بتصرفهم 100 طن من المتفجرات، وإرساله عميل المخابرات السوري (أبو مدين) نائباً للعبسي، وطلب المخابرات السورية منهم تنفيذ انفجارات إرهابية، وصولاً إلى جريمة عين علق، ومخططات اغتيال البطريرك صفير والنائب سعد الحريري، واجتماع أحمد مرعي (الموقوف الذي يتمنع جميل السيد عن مواجهته) بآصف شوكت لهذه الغايات، وتحويل وجهة "الجهاديين" من العراق إلى لبنان بدعوى أن الطريق غير آمن، وتنفيذ الاعتداء على المصارف، واندلاع المواجهة لاحقاً.

قد يرد النظام السوري وحلفاؤه في لبنان بأن هذه الاعترافات ملفقة، تماماً كما كان رد قوى "14 آذار" على الاعترافات المتلفزة، غير أن رداً كهذا ـ إن صدرـ سيعني حلاً واحداً كان قد أطلقه النائب سعد الحريري، وهو تشكيل لجنة تحقيق عربية، فهل سيقبل النظام السوري؟! عادة المتورط هو الذي يعتصم بدعاوى السيادة الجوفاء.

المخطط السوري الجديد

ليس جديداً القول إن نوايا النظام السوري ليست حسنة تجاه لبنان، إذ لو كان النظام السوري يريد فعلاً مساعدة الدولة اللبنانية على القضاء على الإرهاب، كما يدّعي وحلفاؤه في لبنان، لقام بتسليم القضاء اللبناني شاكر العبسي المعتقل لديه وفق الاعترافات المتلفزة الذي قدّمها النظام نفسه، فضلاً عن الذين ظهروا في الفيلم، لكن أنى لنظام متورط بالإرهاب حتى أعلى الهرم فيه أن يفعل ذلك؟!.

وإذا لم يكن التعاون ممكناً، فإن البديل هو الاستمرار في اللعبة نفسها، فأدواتها ما تزال موجودة، ولو بشكل أضعف، وجوقة تزييف الحقائق موجودة أيضاً، وهذه الأخيرة لديها وهم بأنها أقوى من السابق، على أن ما يخطط له النظام السوري يمكن تلمّسه من بعض أدواته في لبنان، فوفق ما يروّج له هؤلاء، فإن المملكة العربية السعودية قرّرت التخلص من المجموعات الإرهابية التي دعمتها في السابق، وأنها أوعزت لـ"تيار المستقبل" بضرورة فك ارتباطه بالعديد من القوى الإسلامية الحليفة له أو القريبة منه، من القوى السلفية إلى "الجماعة الإسلامية" مروراً بـ"اللقاء الإسلامي المستقل"، وأن النائب سعد الحريري بدأ التنفيذ بالفعل، بدليل توقيف هاني البنا، المعروف بقربه من دار الفتوى وقريطم وقوى الأمن الداخلي و"اللقاء الإسلامي المستقل" والقوى السلفية، غير أن الأخطر فيما يروّجه هؤلاء ادعاءهم أن اغتيالات قريبة ستطال شخصيات إسلامية لمع اسمها في الفترة الأخيرة، كالنائب السابق خالد ضاهر وداعي الإسلام الشهال وآخرين، متهمين سلفاً "تيار المستقبل" بتصفيتهم!!.

هذه المنظومة المفبركة حديثاً من قبل ضباط المخابرات السورية، الممسكين بملف تصدير الإرهاب إلى لبنان، تتناقلها الألسن همساً في أوساط إسلامية مرتبطة بسوريا، لا سيما في الشمال، لكنها تقال بصوت عالٍ، فقط في معرض تنبيه الإسلاميين غير المرتبطين بسوريا من المصير الذي ينتظرهم على يد حلفائهم، بهدف واضح وهو ضرب ثقة هذه القوى بـ"تيار المستقبل"، وتالياً استفرادها وتصفيتها.

وغير بعيد عن هذه الأبواق السورية الرخيصة، ثمة من يستمرئ تصفية الحسابات السياسية في الصراع اللبناني الداخلي منذ العام 2005، فيواصل من خلال مواقفه أو وسائله الإعلامية القصف على فرع المعلومات، وعلى "تيار المستقبل"، وعلى القوى السلفية، دون أن يغيب عنه أي واقعة يمكن أن يجيّرها لحساب حلفائه، ولو زوراً، حتى باتت الموضوعية السياسية والإعلامية تقضي بأن يعتبر هؤلاء أن توقيف مطلوب ورد اسمه في الاعترافات السورية المتلفزة دليلاً على صدقية ما ورد فيها، في الوقت الذي يتجاهلون فيه تماماً الاعترافات التي توثقت لدى قضاء البلد الذي ينتمون إليه. أو أن يشيدوا بتعاون الفصائل في مخيم البداوي ومن بينها "الجبهة الشعبية"، ضاربين صفحاً عن واقعة حماية "الجبهة الشعبية" التابعة لسوريا، وعلى مدى أشهر لفارين من مخيم نهر البارد، بينهم شاكر العبسي نفسه، كما ورد في الاعترافات السورية إياها. أو أن يصوّروا سوريا بمظهر الشريك في القضاء على الإرهاب بدعوى مساعدتها الجيش اللبناني في نهر البارد، متناسين أنها كانت وراء المشكلة من أساسها، وأن الرافعة الأساس في دعم الجيش اللبناني كانت "تيار المستقبل" والإسلاميين السنة في لبنان، في وقت كان حلفاء سوريا يرسمون خطاً أحمر على المخيم، وأن آخرين من بينهم تورّطوا بإحضار إرهابيين بسياراتهم إلى طرابلس ليقاتلوا الجيش اللبناني!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل