فرنجية و… الرجل الصادق
"يثير هذا الانفتاح على الجبل حماس الجنرال الى حد أنه راح يبالغ في المراهنة عليه للخروج من المأزق وايجاد حل بديل من كل الحلول المقدمة قبلاَ. فيغدو مبتهجاً طيلة شهر حزيران ويصرح ذات يوم "ان الامر لم يعد مجرد تحالف درزي مسيحي في الجبل فقريباً سيحصل الانصهار بلا قيد ولا شرط. انما يستحسن التزام الصمت اذ ينبغي عدم التحدث بعد عن الموضوع لئلا ينسف المشروع". منذ بعض الوقت كان يؤمن بتحالف بين الاقليات المسيحية والدرزية والشيعية، اما اليوم فهو متردد "لانه مع الشيعة هناك خطر اسلمة البلد فعددهم غفير جداً ولم يعودوا أقلية" (من مقابلة للعماد عون مع الصحافية كارول داغر بتاريخ 27 أيار 1990 نشرتها في كتابها "جنرال ورهان" الصادر عام 1992).
في العام 1990 راهن العماد عون على تحالف مسيحي- درزي، ولذلك قام عدد من السؤولين العونيين (من بينهم المنسق العام للتيار الوطني حالياً بيار رفول) بزيارة المختارة مرات عدة، يومها كان وليد جنبلاط لا يزال على رأس ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي وكان لا يزال في المعسكر السوري، وكان قد مضى على حرب الجبل 7 سنوات فقط، ولم يكن قد مضى على معركة سوق الغرب الشهيرة سوى بضعة أشهر.
يومها لم تكن دماء شهداء الجيش في سوق الغرب قد جفت بعد.
في سياق المقابلة التي أجراها الاعلامي مارسيل غانم مع الوزير السابق سليمان فرنجية، تلقى الأخير اتصالاً من العماد عون، وروى فرنجية ان العماد عون طلب اليه أن يسأل سمير جعجع عمّا يقوله لأهالي شهداء القوات اللبنانية الذين سقطوا في المواجهات مع الحزب الاشتراكي، وذلك رداً على سؤال طرحه الاستاذ غانم وتساءل فيه عمّا قد يقوله العماد عون لأهالي شهداء 13 تشرين عشية قيامه بزيارة سوريا.
من المؤكد أن العماد عون، وعلى عادته، لم يجد سوى الهروب الى الامام وسيلة للرد على التساؤل الذي طرحه عليه غانم عبر حليفه الوزير فرنجية، فاختار وعلى عادته أيضاً، الهجوم على سمير جعجع وسيلة للتضليل ولتبرير عجزه عن مواجهة الناس بالحقائق المخزية.
فالعلاقة بين القوات وجنبلاط بدأت خجولة في العام 2001 وعبر لقاء قرنة شهوان الذي تأسس عقب بيان بكركي الشهير في أيلول من عام 2000، يومها كان جنبلاط قد بدأ بالابتعاد عن السوريين ومدّ يده الى المسيحيين، والى بكركي تحديداً، وصولاً الى مطالبته سوريا من داخل مجلس النواب اللبناني بإعادة التموضع وبالكشف عن مصير المفقودين في سجونها، فيما كان أهالي المفقودين يُقمعون أمام المجلس على أيدي جنود اميل لحود. وتجسدت المصالحة المسيحية- الدرزية في الزيارة التاريخية لغبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى الجبل في 5 آب 2001، ما جعل النظام الامني اللبناني السوري يرد على هذا التقارب باعتقالات 7 آب وباعتداءات 9 آب المشينة.
وكانت زيارة وليد جنبلاط الى منزل جعجع في يسوع الملك في 29 كانون الأول 2004، بعيد محاولة اغتيال مروان حمادة، النقطة الحاسمة في مسار التلاقي مع جنبلاط، وصولاً الى ثورة الارز التي أنجزت الاستقلال الثاني في 26 نيسان 2005.
لكل هذا يستطيع سمير جعجع أن يفاخر بهذا التلاقي مع خصوم الأمس، ويستطيع أن يقول لشهداء حرب الجبل ولذويهم إن ما سقطتم لأجله قد تحقق ولو جزئياً، وإن التقارب مع جنبلاط قد تم على الأهداف والثوابت التي استشهد أبناؤكم وأعزاؤكم لأجلها، وإن لبنان الذي حلمتم به بات أقرب الى الواقع منه الى الحلم، وإن شعار مؤسس القوات اللبنانية "لبنان أولاً"َ بات يظلل معظم اللبنانيين.
أما في المقلب الآخر فنجدنا نسأل:
هل باتت سوريا تعترف باستقلال لبنان فعلاً؟
هل قامت أو هي مستعدة لترسيم حدودها مع لبنان؟
هل ستقوم بتسليم لبنان والامم المتحدة وثيقة رسمية تعترف بموجبها بلبنانية مزارع شبعا؟
هل توقفت عن ارسال السلاح الى منظمات وفصائل لبنانية وفلسطينية تابعة لها؟
هل توقفت عن زعزعة الامن في لبنان؟
هل ستوقف سياسة الاغتيالات بحق القادة والزعماء وأهل الفكر وعموم المواطنين في لبنان؟
هل أطلقت الموقوفين اللبنانيين في سجونها؟
هل ستتوقف سوريا عن التدخل في الشؤون اللبنانية كما تفعل يوميا؟
وهل ستقدم اعتذارا علنيا الى الشعب اللبناني عن كل ممارساتها في لبنان طوال أكثر من 3 عقود، وهو الاعتذار الذي كان عون نفسه طالبها به أيام كان لا يزال في الخط السيادي؟
اذاً السؤال المطروح على العماد عون مشروع. فماذا يقول لشهداء 13 تشرين ولذويهم؟ وهل من وسيلة لإقناعهم بهذا الانحراف الكبير عن المبادئ والثوابت التي استشهد من استشهد في سبيلها؟ أم يظن أن بإمكانه الاستمرار في لعبة التضليل والهروب الى الامام والتلطي خلف التهجم على بكركي و"القوات اللبنانية"؟
عندما سئل سليمان فرنجية في المقابلة عينها عن رأيه في بشار الأسد أجاب بأنه رجل تاريخي. وعندما سئل رأيه بالعماد عون أجاب بأنه "رجل صادق".
فعلاً دخل بشار الأسد التاريخ، انما ليس من باب تحريره لأرضه المحتلة في الجولان بل من باب هزيمته في لبنان أمام جماهير الأحرار الذين أعادوا لبيروت كرامتها في 14 آذار 2005، وأعادوا جنوده خائبين الى بلادهم.
أما بالنسبة الى "الرجل الصادق"، فلا مجال أبداً للتشكيك بهذه الصفة سيما أن مطلقها ابن المدلل للخط السوري. فهل من رجل صادق مع سوريا وأتباعها في لبنان أكثر من العماد عون؟