وسط مسارعة دمشق إلى انتقاد الاتفاق الأميركي – العراقي
مراجعة الاتفاقات مع سوريا تمليها ظروف وضعها
سارعت سوريا، من بين أول الدول التي علقت على موافقة الحكومة العراقية اول من امس الاحد على الاتفاق الامني بين العراق والولايات المتحدة الى انتقاد الاتفاق ومهاجمته معتبرة عبر وزير اعلامها انه اتفاق "فرضه الاحتلال على اشقائنا ويشرعن وجوده". وهذا ليس الموقف الاول لدمشق من الموضوع، فقد سبق للرئيس السوري بشار الاسد ان حذر في افتتاح الدورة العادية للبرلمان العربي في العاصمة السورية في التاسع من الجاري من هذا الاتفاق الامني الذي يشكل كما قال تهديداً لدول الجوار لانه "يهدف الى تحويل العراق قاعدة لضرب دول الجوار بدل ان يكون سنداً لهم" في اشارة الى الضربة العسكرية الاميركية لموقع البوكمال على الحدود بين العراق وسوريا.
وهذا الموقف لفت بعض الاوساط المراقبة التي رأت وجوب التوقف عنده من باب المقارنة ليس الا في خضم معاناة لبنان بسبب جملة اتفاقات امنية سميت باتفاقات "الاخوة والتعاون والتنسيق"، ووضعت بين لبنان وسوريا بعد اقل من عامين على تسلم سوريا الوصاية على لبنان عقب اقرار اتفاق الطائف. وتلحظ هذه الاتفاقات شرعنة لوصاية أمنية وسياسية متواصلة أتت مكملة لشرعنة بقاء القوات السورية في البقاع الى ما يقارب من وضع دائم يتجدد تباعا، تماما على ما فهم كثيرون، ومن بينهم سوريا، الاتفاق الاميركي – العراقي واحتمالات تجديده.
ويواجه لبنان مشكلة في استمرار وضع هذه الاتفاقات موضع التنفيذ بعدما كانت أملتها ظروف سياسية معينة مماثلة على الارجح في شأن وجود اجنبي على اراضي دولة وتحكم هذا الوجود ايا يكن في طبيعة استمرار وجوده على اراضي الدولة الاخرى، وضمان هذا الوجود مدة تبدأ محددة بكلمات او عبارات ملتبسة وتنتهي تكريساً مبطنا لهذا الوجود. وهذه المشكلة تعرض لها مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة، ليس من حيث رفض علاقات طبيعية مع سوريا بل من حيث نية سوريا ورغبتها في ابقاء هذه العلاقات تحت سقف معين هو سقف ما أملته الظروف السابقة على لبنان، وليس ما استجد من حيث انتهاء الوصاية السورية وضرورة مرور هذه العلاقات عبر الطرق الديبلوماسية الرسمية، وان كان البلدان جارين وتحكم بينهما روابط تاريخية مشتركة. ولذلك اخرج التعاطي الامني من ظل المجلس الاعلى اللبناني – السوري الذي يفترض اعادة النظر فيه وفي عمله في ظل الحدث الطارىء الذي باتت تشكله العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، علما ان بعضهم يرى انه يقع على فريق قوى 14 آذار، انطلاقا من كونه الاكثرية في مجلس النواب التقدم باقتراح قانون الى مجلس النواب للبحث في ما يمكن ادخاله من تعديلات على هذه الاتفاقات واعادة النظر فيها، تبعا للتطورات التي تلحظ احترام سيادة لبنان واستقلاله وبدء مسيرة علاقات ندية من حيث المبدأ بين البلدين.
وايا تكن الاسباب التي تدفع دمشق الى هذا الموقف من الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة والتي قد تكون اسبابا محقة وجوهرية، علما ان موضوع احتلال اميركا للعراق كرسّ قطيعة بين واشنطن ودمشق العام 2003، فان دمشق اذا كانت تقارب موضوع الاتفاق من زاوية سياسية ومبدئية على اساس انه ناتج من وجود اجنبي يفرض شروطه، فهذا ينطبق ايضا على لبنان. وتجوز في ضوئه مقاربة الاتفاقات الامنية السابقة بين لبنان وسوريا على هذا الاساس، باعتبار ان سوريا فرضت عبر وجودها العسكري والامني والسياسي بنوداً على لبنان لم تكن مقبولة آنذاك ولكن لم يمكن الاعتراض عليها لاسباب معروفة وهي لم تعد مبررة راهنا في صيغتها الماضية ما لم يوافق عليها الطرفان بعد اعادة النظر الشاملة بملء ارادة كل منهما. واعادة النظر قد تؤكد معظم بنود هذه الاتفاقات لا بل تعيد تأكيها ولا تلغيها، لكن الضرورة يحتمها واقع ان هذه الاتفاقات وضعت في ظل ظروف قسرية أملاها الوجود السوري في لبنان وضرورة تنظيم وضعه انذاك، بل بالاحرى "شرعنته" ايضا، تماما مثلما هي الحاجة الاميركية راهنا في العراق، خصوصا ان حاجات لبنان باتت مختلفة وربما اكثر الحاحا، وسوريا لم تعد موجودة عسكريا في لبنان.
وما لم تحصل اعادة النظر، فان الشكوك ستستمر في النيات السورية حيال التعامل بندية مع لبنان، تماما كما تم التعامل مع زيارة وزير الداخلية زياد بارود لدمشق واضطراره، في ضوء الملاحظات التي قدمت والتي تعكس مدى الهواجس والمخاوف مما يمكن ان يضمر للبنان، الى تقديم مقاربة جديدة مختلفة للتنسيق الامني بين لبنان وسوريا تلتزم عدم العودة الى الصيغة السابقة للتعاون الذي يفترض اعادة النظر في صيغته، خصوصا ان السوريين بارعون في النفاذ مجددا الى السبل السابقة في التعاطي الرسمي وغير الرسمي ولبنان. ويلفت هنا ان الفريق الحليف لسوريا انبرى الى الاشادة بزيارة بارود وبنتائجها في مقابل تحفظ فريق الاكثرية مما يساهم في اثارة علامات استفهام كبيرة حول مسيرة اعادة التطبيع التي يقودها رئيس الجمهورية على قاعدة المحافظة على لبنان واستقلاله وبناء علاقات ندية وسوية مع سوريا على اساس الاحترام المتبادل بين البلدين.