لقد أَسمعتَ لو…
كلا، انها ليست كلمة أو جملة عابرة، وردت مصادفة في عظة للبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، إنما هي صرخة مدويَّة. وتحذير لأولي الألباب. وسؤال لأولئك السياسيّين والطوائفيّين الذين ما انفكوا يغامرون بالبلد ويتلاعبون بمصيره من أجل حفنة من الشهوات والمآرب.
وبطريرك الموارنة موقنُ أنه لا يصرخ في واد. فاللبنانيّون يصغون اليه عندما يناديهم، ويطمئنّون الى ترفُّعه عن كل ما هو شخصي أو فئوي أو طائفي.
فهو بطريرك كل لبنان.
والآن، في هذه المرحلة الانتقالية، وقت تحذير الذين تعمي قلوبهم وبصيرتهم شهوة السلطة، وتنبيههم من الجنوح مرَّة أخرى، ودفع لبنان الى المصادمات والمواجهات في سبيل حفنة من الكراسي والمناصب والمغانم.
ومن حق هذا البطريرك أن يقول ويعلن على مسامع اللبنانيّين والأشقاء والأصدقاء، انه اذا ارادت كل طائفة أن تقيم وطناً لها خاصاً بها، لا يعود هناك وطن، ولا يعود هناك لبنان، ولا يعود هناك شعب لبناني، ولا تعود هناك دولة لبنانيَّة، ولا تعود هناك جغرافيا مميزة تقتطع من الارض مساحة لا تتجاوز العشرة آلاف واربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً.
تضيع الجغرافيا، ويضيع التاريخ، وتضيع الصيغة التي أدهشت العالم، وجعلته يقتدي بها ويستند الى مضمونها في المؤتمر الدولي لحوار الأديان والثقافات والشعوب.
هذا التحذير الذي جاء في وقته، وعلى أبواب انتخابات نيابية "مطنطنة"، لا ينبع من أوهام متخيَّلة، إنما هو يستند الى وقائع وتفاصيل مذهلة ومؤلمة وشائعة، يتخبَّط في متاهاتها بلد الطوائف والمذاهب والمشارب منذ عقود، وترقى تجاربها الى ما قبل الاستقلال بكثير.
فمحاولات بعض القبائل وبعض الفئات وبعض السياسات فسخ الولد والبلد لم تبدأ أمس، ولا في صيف الدم، ولا مع بوسطة عين الرمانة، ولا في غزوة بيروت
بل هي مستمرة منذ قرن ونصف القرن. ومن هناك، من الزمن ذاك كانت درب البداية، ودرب الجحيم لوطن لم يصبح وطناً في يوم من الأيام.
أجل، كل طائفة تريد دولة لها داخل الدولة الدولة، أو على حسابها، أو على ظهرها، أو بدلاً منها.
وما يحصل على أرض الواقع يفيد ان ثمة "دويلات" تتربَّع بارتياح وطمأنينة، وبكامل عدتها وسلاحها و"مؤسساتها"، وعلى عينك يا تاجر.
واذا كان سيّد بكركي قد شدَّد على أهميَّة التضامن بين ابناء الوطن المفترض ان يكون موحداً، فهو لم ينس ان يذكّرٍّ الشعوب والقبائل والأطياف المتناحرة ان عملية انقاذ الوطن تتطلَّب التضامن، والتسامح، والتفاهم والتعاون.
لقد أسمعتَ لو ناديت حيّاً، ولكن لا حياة لمن تنادي.