
لماذا أصبح معيـبا" أن تـكون عونـيا"؟
(الحلقة الثالثة عشرة)
لذلك لا يثقون به!!
سؤال دائم ، حيّر ويحيّر كثيرين ، لماذا هذا الإنعدام المطلق للثقة بميشال عون ، فحتّى حلفاؤه ، سوريين وأعوانهم في لبنان تراهم دائمي الحيطة والحذر منه ، بالإضافة الى أنّ الرجل منبوذ مسيحيا" ، ومكروه سنيا" ، ومرفوض لدى طائفة الموحدين الدروز .. وهو محضونٌ شيعيا" من قبل شيعة إيران في لبنان ، ولكن على مضض .
والأغرب من ذلك أنه بات مرفوضا" أيضا" وأيضا" من قبل دول بحجم ومستوى الولايات المتحدة الأميركية والسعودية ومصر … وفي وقت تحقق الحلم اللبناني بإخراج جيش الإحتلال السوري ، أطلّ ميشال عون بحلّـته الجديدة ، المزيّنة بالزركشة السورية ، لدرجة أن الرجل إنتقد الجيش اللبناني أكثر من مرة ، وحملّ قيادته مسؤولية ما يجري ميدانيا" ، وأوقح مثال إنتقاده للجيش إرسال طوافة عسكرية لمنطقة سجد ، سائلا" بإستغراب عن مصدر الأوامر التي أرسلت الطوافة الى هناك ، مما يعني أنه حتّى مؤسسة الجيش اللبناني لا يوّفرها هذا الرجل في إنزلاقاته ، ولا نغالي إذا ما قلنا أنّ ميشال عون يقاتل طواحين الهوا ، وبالسؤال من أجل مَن وماذا ؟
الجواب واضح أن هذا العون كان دائما" مزاجيا" ، كان دائما" منقلبا" على أقرب المقربين منه ، ولا نفهم ، ولا نفقه كيف أنه ينتمي الى المسيحية ، وتحديدا" الى الكنيسة المارونية ، ولم نشهد له في يوم أنه دافع عن مسيحيته هذه ولا عن كنيسته الأم ، في وقت ذهب بعض النواب في كتلته الى حدّ التجريح بالكنيسة ، وإتهام رجال الدين بلقب الجيش الأسود ، وهذا الكلام أورده أحد نوابه الشيعة ، الذي أنزله السوريون بواسطة حزب الله بالمظلة على الرابية ، فهذا النائب أهان الكنيسة ، وهذا العون لم يفته فاه بأي عبارة أو دفاع عن كنيسته ، فكيف يكون مسيحيا" ؟ وكيف يمكن تصنيفه بأنه زعيما" مسيحيا" ؟ ولعلّ البطريرك عندما قال بعد نتائج إنتخابات 2005 بأنه أصبح للمسيحيين زعيما" ، لم يكن يعني زعيما" يتنكّر لكنيسته ، ولكن الواضح أنّ من شبّ على شيء ، شاب عليه ، وعون هذا إعتدى في السابق على بكركي وسيدها ، ومين جرّب مجرّب كان عقلو مخرّب..
وحتى حزب الله الذي دجّن ميشال عون ، ونقله الى حضن ولاية الفقيه ، ولعلّ ذاك المشهد في المسرحية التلفزيونية التي جمعت السيد نصرالله والنائب عون ، كم كانت معبرّة في الشكل والمضمون ، كم كانت صادقة في صورتها التي أظهرت حقيقة الأحجام ، بالفعل ، ومن دون تجريح أو إهانات ، الصورة بانت على الشكل التالي :
نصرالله واحد وعون صفر.. كما النعجة كان ، كما الخروف المطيع ، كما الطفل الذي بدأ يدبدب …
إذا" حتى حزب الله لم يرّشح عون جهارا" وصراحة لرئاسة الجمهورية ، لا بل أنّ مسؤوليه كانوا يستهزؤون بكل من يفاتحهم سابقا" بموضوع الرئاسة وبترشيح عون ، وهنا أورد صديق على بيّنة وإطلاع لما يدور في فلك الرابية والخط بينها وبين الضاحية ، وهو آلت اليه معلومات مفادها أنّ ميشال عون تواترت اليه معلومة مفادها أنّ أحد مسؤولي حزب الله وخلال مجالسته لأحد الصحفيين سأله عمّا إذا كان ميشال عون مرشح حزب الله..
ـ 2 ـ
المسؤول في الحزب ردّ عليه : هل أنت تمزح ، شو نحنا مجانين لكي نقبل بميشال عون رئيس للجمهورية؟
ما أن علم عون بالرواية المذكورة ، إلاّ أن أوفد مدلله الوحيد وخليفته البكر في عالم السياسة الواقعية التي بات ينتهجها منذ عودته الميمونة الى الضاحية الجنوبية طالبا" منه اللقاء بالسيّد ، ولم يتمكن الطفل المحبب عند عمه من مقابلة السيد نصرالله ، فسعى جاهدا" الى أن تمّ ربطه بنائب نصرالله الشيخ قاسم ، وهو حدد الموعد على إعتبار أنّ أمرا" طارئا" وملحا" ومستعجلا" يستتبع معالجته وبالتالي يتطلب اللقاء لمعالجته ، وعندما طرح الموفد الخاص جدا" السؤال عن الرواية المذكورة ، إبتسم قاسم بسخرية قائلا" له : ولوْ شو هالحكي نحنا ما منترك الجنرال، وبقي عون من دون نوم حتّى عودة موفده الى الرابية ليبلغه أن المعلومات التي وصلت اليه غير صحيحة ، عندها إرتاح عون وإطمأنّ باله . ولكن السؤال المحوري الذي يطرح نفسه ، هو لماذا إنعدام الثقة هذا بميشال عون ؟
للجواب على السؤال لا بدّ من دراسة شخصية عون ، ونبش تاريخه في طبيعة وطريقة تعاطيه مع المحيطين به ، والكلّ يذكر ما فعل بالشيخ بشير الجميّل ، راح يتقرّب منه شيئا" فشيئا" ، وعندما حصل على مراده ، أي عندما تسلّم قيادة أفواج الدفاع بإستجداء من عون بواسطة صديق مشترك هو الأستاذ أنطوان نجم ، إنقضّ على بشير وهكذا فعل لاحقا" مع كلّ الذين سعى للتقرّب منهم ومن ثمّ إنقلب عليهم ..
وأيضا" مسألة عدم ثقة أي كان بميشال عون ، لها علاقة بتعاطيه مع كلّ الذين لا يوّفرون له مصالحه ، ولعلّ حلفه وقربه من سوريا ولكن بكثير من المكيافيلية ، وبكثير من الخبث لدرجة إخفاء كلّ المعلومات المتعلقة بعلاقاته مع السوريين ومن ثمّ إعلانه حرب التحرير على سوريا ، أخاف ويخيف حلفاؤه ، لذلك نراهم دائما" حذرين منه ، يستعملونه حتى آخر نقطة من الكوب وقبل أن ينقلب عليهم يرمونه خارجا" ، وهذا ما سوف يجنيه على خلفية الإنتخابات النيابية ، وقد بدأت معالم التخلّي عنه تظهر في أكثر من دائرة ، وأسطع دليل على ما نقول ، الإعلان المبكر للائحة السيد سليمان فرنجية في زغرتا والتي لم تضمّ مرّشح عون ، وهذا ما سوف نشهده في دوائر إنتخابية أخرى ، إذا" عون وتجربته مع حلفائه لا تطمئن أبدا" ، فكيف يُعقل مثلا" أن يكون الرجل عضوا" في لجنة أنشأها الشيخ بشير متخصصة بالدراسات الإستراتيجية وكان يستعمل يومها إسما" مستعارا" "جـبـرايـل " كونه ضابط في الجيش ويريد أن يبقى متخفيا" في عمله الحزبي الى جانب بشير ، وكان الدكتور سمير جعجع عضوا" في تلك اللجنة ، لنصل الى العام 2008 حيث يتهم الموقع الإلكتروني لعون الشيخ بشير بأنه عميل وصهيوني…
لا مشروع سياسي لميشال عون ، هو فقط صاحب مشروع أمني..!!
يروي الأستاذ أنطوان نجم عن لقاء جرى بينه وبين عون وكان الأخير قائدا" للجيش ، وعندما سأله نجم عن ماهية مشروعه السياسي ، ردّ عون " ليس عندي مشروع سياسي ، عندي مشروع أمني " .
( مجلة المسيرة في 16 كانون الأول 2007 ).
إذا" هذا الرجل لا يملك رؤيا ، ولا يملك أداة ، ولا يملك وسائل إنقاذية ، بل كلّ ما يبدع به هو العبثية والهامشية والتخريب والتهميش والتهشيم… وهذا الرجل الذي إنقلب رأسا" على عقب ، بمواقفه ومبادئه ، هو حقيقة لم ينقلب ، ولم يتغيّر ، إنما نحن كنّا مغشوشين بالحالة التي أرسى معالمها ، أمّا اليوم بات بالإمكان وبضمير مفعم بالراحة والطمأنينة ، أن نقول : ميشال عون كان حالة سورية في مجتمعنا ، ولكن بشكل مخفي وليس بشكل ظاهر ، وهو أتقن لعبته حتى أسقط المسيحيين في خندقه السوري ، وما عاد بعض هؤلاء بإمكانهم الإنتقال من خندق عون الى خندق الحقيقة التي ما عادوا يرونه بسهولة بعدما أغشى عيونهم لسنوات بخطابات طنّانة رنّانة لم يعد منها سوى النوستالجيا لحنين ماضي قصر الشعب وبيت الشعب …
أمّا نحن الذين فقدنا الأمل بعودة الإبن الضال الى حضن الحبيب ، خاصة بعدما جنح الرجل بعيدا" باتجاه السورنة التطبيعية ، وبعدما بات سلاح حزب الله بالنسبة له مقدّسا".
فهل مَنْ نسمع هذه الأيام يتناول موضوع سلاح حزب الله ، هو نفس الشخص الذي إسمه ميشال عون ؟
ميشال عون يقول في 28 تموز 2008 ما حرفيته :
" يبحث سلاح حزب الله في استراتيجية دفاعية أو خارج استراتيجية دفاعية ، ولكن لا يمكن للبنان أن يتنازل عن أي نقطة قوة قبل أن تحل كل القضايا المتعلقة بإسرائيل ، ومنها قضية حق العودة للفلسطينيين وعدم التوطين، نحن لا نقبل بتوصيف سلاح حزب الله بالإرهابي ، لأنه سلاح مقاومة .
بينما ميشال عون يقول في 3 كانون الثاني 2005 ما حرفيته :
"بعد الإنسحاب الإسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلّح لحزب الله ، فخلق أزمة على الصعيدين الوطني والدولي ، فهو يضع لبنان في مواجهة القانون الدولي من جهة ، ويهدد الوحدة الوطنية من جهة أخرى بوصفه ينم عن إحتكار للقرار الوطني من قبل طرف واحد .
وليس من شأن علاقة حزب الله المعلنة مع إيران المتشددة ، وتحالفه مع حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، اللتين يصنفهما الغرب في خانة الحركات المعادية للسلام، أن يبدد الشكوك المحيطة بأهداف حزب الله الحقيقية وبالمخاطر المتصلة باستراتيجيته ، فليست ذريعة مزارع شبعا بالبرهان المقنع في هذا الإطار ، فهي لم تنجح بإخفاء النوايا السورية الكامنة خلفها . إنّ الحرص على السيادة الوطنية ، ليس حكرا" على طائفة واحدة ، ولا يجوز أن يكون كذلك . "
بالفعل ما عاد أحد يثق بهذا الرجل ، وأوّلهم نحن ، ولكن هو شخصيا" إذا ما عاد وتصفّح مقالاته ومواقفه السابقة ، وقارنها بتلك التي يطلقها اليوم ، ماذا كان سيقول لنفسه ، وبماذا سينعت ميشال عون الماضي ميشال عون الحاضر؟ ماذا سيقول لنفسه ؟ خاصة بعد التناقضات الفاقعة ، من هنا القول أنّ ميشال عون أمس يرّد على ميشال عون اليوم ، فهو يدين نفسه بنفسه.
ميشال عون يقول في 26 شباط 2002 ما حرفيته :
" ما قلته هو أن لا البطريرك صفير ، ولا أنا ولا اميل لحود ولا الحكومة ولا أحد غير حزب الله يستطيع أن يدافع عن حزب الله ، وذلك لأنّ علاقة هذا الحزب بالأطراف الخارجية وبالأجهزة وبالدول في العمليات التي قام بها ، ليست مشتركة بينه وبين من يدافع عنه ، فليتكلم هو أولا" ويرد التهم كي نستطيع أن نأخذ منه موقفا" ، من هنا لا أفهم لا موقف البطريرك ولا موقف الحكومة ولا رئيس الجمهورية ، لأن حزب الله هو كيان مستقل ضمن الكيان اللبناني ، هو يقوم بسياسته والدولة تلحق به ، من هنا لا يحق لأحد أن يدافع عنه "
وميشال عون ردّ يقول في 19 أيلول 2002 ما حرفيته: ( بالإنكليزية عبر تلفزيون سي بي أن مع الصحافي بات روبرتسون )
" إنّ حزب الله ليس كيانا" مستقلا" بل هو واقع تحت السيطرة العملية لسوريا وأن سوريا هي مقرّ لــِ 11 منظمة إرهابية من بينها حزب الله".
ميشال عون يقول في 20 نيسان 2002 ما حرفيته:
هناك قرار دولي بإلغاء حزب الله ، وهو مصنّف إرهابي ، هو الثاني على اللائحة بعد القاعدة ، وعلى هذا فإنّ حياته لم تعد طويلة بهذا الإتجاه ، ومعادلته أكبر من المعادلة اللبنانية ، لديه إلتزامات متعددة وقد سبق وتحدثت عنه في عدة مناسات …"
وعندما ربط ميشال عون مصير سلاح حزب الله بحق عودة الفلسطينيين الى بلادهم كما جاء في تصريحه بتاريخ 28 تموز 2008 ، وعندما قال أيضا" بأنه لا يمكن للبنان أن يتنازل عن أي نقطة قوة قبل أن تحل كل القضايا المتعلقة بإسرائيل ومنها قضية حق العودة للفلسطينيين وعدم التوطين " ، ألم يعلم هذا الرجل أنه هو نفسه ميشال عون مَنْ قال في 26 نيسان 2002 : " لبنان قد عاد لأنه لم يعد مقبولا" في العالم أن يرتبط لبنان بأي مسار آخر لا سوري ولا غيره ، ولا أن يرتبط بأي حلّ لمسألة الشرق الأوسط ولا بأي مسارات أخرى ، لبنان دولة قائمة بحد ذاتها بسيادتها واستقلالها ، وقرارها الحر يرتبط بها وبشعبها ، وسيادتها على أرضها غير منقوصة واستقلالها غير منقوص ، وهذا ما بدأ يترجم بتبنيه من قبل المراجع الرسمية الفاعلة ، وخاصة الولايات المتحدة التي من دونها لا سلام ولا حرب على الكرة الأرضية لأنها القوة العظمى الأولى".
بربكم مَنْ منكم بإمكانه تصديق هذا الرجل ، في كلّ ما قاله ، طوال حياته ، لم يشهد تاريخ لبنان رجل سياسي واحد منقلب ومتقلّب ، متبدّل ومزاجي كتجربة شخص إسمه ميشال عون.
حتّى حلفاؤه لا يصدقونه ، فكيف نحن الشعب اللبناني؟
وإذا كـــنـــتــم لا تصــدّقوا .. وإذا كــنــتم لا تــؤمــنون بالــحقــقيقة .. إذا" أنــتـم لا تـــفــهــمون شـيئا".. فماذا أفعل لكم ؟
في الحلقة الرابعة العاشرة.. ولـمّـا لـم يـعد الـتيّـار .. لا وطــنيا" .. ولا حــرا"
