اللبنانيون يتحدثون عن "عجقة" غير مبرّرة على "خط الشام" فيما المعركة مع نظام الأسد تستمر وتشتدّ
العلاقة الندية بسوريا بحاجة إلى نفَس طويل وحفظ لـ"الهيبة"
خلال الأيام الماضية، تحدث العديد من اللبنانيين عما سموه مشهد "الازدحام" من لبنان الى سوريا. فماذا عن هذا المشهد؟
في الصيف الماضي أذعن النظام السوري للضغط الدولي فأقر بإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان. وبعد الإقرار بنحو شهرين وقع بشار الأسد مرسوم التبادل الديبلوماسي بين دمشق وبيروت على مستوى السفراء.
مسار النفَس الطويل
يُفترض أن تؤسس العلاقات الديبلوماسية، خصوصاً عند إستكمالها بإنشاء السفارتين، لمرحلة جديدة. أي أنها بداية وليست نهاية.
وبإستكمالها، لا بد من ترسيم الحدود وضبطها طبقاً للقرارات الدولية لا سيما القراران 1680 و1701، للإنتقال الى إعادة النظر في "المعاهدة" المؤطرة للعلاقات اللبنانية ـ السورية وفي الإتفاقيات الموقعة جميعاً في مرحلة إستقواء النظام السوري على لبنان.. والتاسيس بعد ذلك لعلاقات تقوم على الندية والإحترام والمصالح المشتركة.
إذاً، إن إستئناف العلاقات اللبنانية ـ السورية مسار وليس أمراً منجزاً بمجرد "إقرار" التبادل الديبلوماسي. إنه مسألة نفَس طويل.
"التطبيع" + "تعييش" القديم سورياً
تغطيةً على إذعانه بإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، يسعى نظام الأسد الى إفراغ التبادل الديبلوماسي من معناه المشروح آنفاً. وفي هذا الإطار، يسعى الى إستبدال العلاقات الديبلوماسية أو في موازاة الإقرار بها، بـ"تطبيع" مع لبنان على شروط المرحلة السابقة وأدواتها ووسائلها.
أتت من سوريا دعوتان. واحدة لوزير الداخلية من نظيره السوري، وثانية لوزير الدفاع من نظيره أيضاً. غير أن الدعوتين وجهتا عبر "المجلس الأعلى اللبناني السوري" وحملهما أمينه العام نصري خوري. وفي زيارة وزير الداخلية الى دمشق، حضر "الأمين العام" المحادثات. وفي البيان الصادر عن محادثات الوزيرين لُحظ دور لـ"المجلس الأعلى" في "لجنة المتابعة والتنسيق" المقترح تشكيلها. إنها محاولة سورية لإستبقاء أطر موروثة عن مرحلة الوصاية. وهي محاولة سورية لـ"تطبيع" وضع "المجلس الأعلى" لكأن البلدين ليسا مقبليَن على علاقات ديبلوماسية. إنها محاولة سورية لـ"تعييش" القديم.
"الوعي" وراء قرار مجلس الوزراء
لم تعترض 14 آذار على زيارة الوزير زياد بارود، وإن كانت فضلت تأجيلها في حينها غداة "الفيلم السوري" ما غيره. ووافق مجلس الوزراء على قيام الوزير بالزيارة. بعد عودته من دمشق، لم تعترض 14 آذار عليه، بل طرحت أسئلة ومواقف مشروعة بشأن "اللجنة" في موازاة العلاقات الديبلوماسية، وبشأن "مرجعيات" اللجنة المذكورة. وبالفعل، فإن مجلس الوزراء في جلسته السبت الماضي "صوّب" التعاطي: لجنة متابعة من خارج "المجلس الأعلى"، ولمدة ثلاثة أشهر، وتقترح وتأتي الإقتراحات الى مجلس الوزراء، مع وقف العمل باللجان التي كانت قائمة سابقاً.
ما قرره مجلس الوزراء هو "تصويب" للتعاطي اللبناني الرسمي مع "الطلبات" السورية، لكنه في معناه العميق قطع للطريق أمام محاولات النظام السوري "تطبيع لبنان" مع القديم. والأهم انه يعكس وعياً ـ ولو متفاوتاً داخل مجلس الوزراء ـ بأن إستعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية مسار طويل يبدأ بالتبادل الديبلوماسي. أي انه لا بد من نفس طويل جداً كي تغدوَ العلاقات سوية.
لم يلب وزير الدفاع الياس المر الدعوة الى دمشق حتى الآن. وعُلم انه وضع لزيارته جدول أعمال محدداً ينتظر موافقة الجانب السوري.
"الهيبة"
في هذه الأثناء لبّى وزيرا الإعلام والثقافة طارق متري وتمام سلام دعوة الجامعة العربية الى مجلس وزراء الإعلام والثقافة العرب في العاصمة السورية. لا جدال في أن الوزيرين لم يذهبا الى دمشق بدعوة سورية. ولا جدال في أن ذهابهما كان بقرار من مجلس الوزراء. ولا جدال في ان الوزيرين متري وسلام مشهود لهما بالرصانة والوطنية وحُسن الأداء.
لكن كما كان التساؤل عن إمكان تأجيل الوزير بارود زيارته غداة "الفيلم السوري" تساؤلاً مشروعاً في حينه، فإن تساؤلاً مشابهاً يطرح نفسه بشأن وجود الوزيرين سلام ومتري في اجتماع عربي في دمشق: حتى لو كانت الدعوة عربية والاجتماع عربياً، ألم يكن من وسيلة أخرى لمشاركة لبنان على غير المستوى الوزاري كي يقرر مجلس الوزراء إيفادهما شخصياً"؟.
مرة اخرى، إن السؤال لا يعني متري وسلام شخصياً كما لم يكن السؤال يعني بارود شخصياً. انه يعني الأداء الرسمي اللبناني للعلاقة بسوريا. أي انه سؤال يبحث عن جواب في ميدان "الهيبة" المطلوب أن يظهرها لبنان في كل وقت كي لا يبدو أن ثمة "هرقة" أو "إرتخاء" تجاه سوريا.
..كي لا "تستسهل" دمشق التصرف
يستطيع أي متابع أن من "يلاحظ" أن المقدمات الآنفة لا تهتم بالوزراء ـ والسياسيين ـ من حلفاء النظام السوري الذين يذرعون الطريق على خط الشام ذهاباً وإياباً، لكنها تهتم بـ"مظهر" السلطة اللبنانية المؤتمنة على البلد. وهدفها القول إن من شأن "التساهل" في أداء العلاقة مع سوريا، حتى في شكلياتها، أن يؤدي الى "إستسهال" سوري للتصرف بعقلية المرحلة الغابرة وأساليبها.
والحال إن لبنان اليوم لا يخوض فقط معركة فرض إحترام الأصول على سوريا بما هي الأصول بين دولتين مستقلتين، إنما لا يزال في صميم معركة وجود، معركة دفاع عن هذا الوجود، في وجه النظام السوري الذي يعلن صبح مساء إستهدافه إلحاق البلد مجدداً بـ"نفوذه"، ويسلّط إرهابه عليه و"يفلّت" شبكاته وعصاباته ضده عموماً وضد رفيق الحريري حياً وشهيداً وضد مشروع الدولة.
المعركة الوجودية المستمرة
في خضّم هذه المعركة، مهم جداً أن يواكب لبنان الرسمي الضغوط الدولية على نظام الاسد التي أثمرت إقراراً للعلاقات الديبلوماسية، ومهم جداً أن "يحاول" إنتزاع حقوق البلد من سوريا وأن يأتي بنظامها الى ما يخدم الاستقلال والسيادة والاستقرار والدولة.. لكن لا مبرر على الإطلاق لـ"العجقة" التي يستغلها النظام السوري للارتداد عن الخطوات التي يقوم بها إذعاناً لدفتر الشروط الدولية وللايحاء بـ"دفء خادع" فيما لا يخفي حقده على الاستقلال اللبناني.
وبعد الآن، سيكون مجلس الوزراء أمام امتحان ممارسة الندية مع سوريا، أمام امتحان القدرة على قول لا حيث يجب أن تكون صارخة، سيما وأن القرار الأخير حول لجنة المتابعة يؤشر الى هذه الإمكانية.