بعد المرئي والمكتوب… سلاح التنصّت في معركة التحقيقات
هل من جواب مُقــنِع لوقـف تداعـيات "فـتح الإسـلام"؟
لولا شريط الاعترافات المسجلة الذي بثه التلفزيون السوري لما كان الجدل المتجدد حول نتائج التحقيقات مع الموقوفين من مسلحي جماعة "فتح الاسلام"، ولما كان الرد من "تيار المستقبل" على الاتهامات التي سيقت ضده من خلال شريط الاعترافات المتلفزة، وقد جاء الرد بمثابة هجوم مضاد من خلال افادات للموقوفين "صبّت" عند علاقة مباشرة لهم بالاجهزة السورية.
وبعد الشريط التلفزيوني، والمحاضر المكتوبة التي نشرتها صحيفة "المستقبل"، كان اللجوء الى "سلاح" آخر من خلال تسريب مقتطفات من مكالمات هاتفية مسجلة بين المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي وأحد الموقوفين من مسؤولي جماعة "فتح الاسلام" المدعو احمد مرعي خلال عملية تطويق خلية من هذه الجماعة في مبنى سكني في شارع المئتين في طرابلس، في محاولة للإيحاء بوجود علاقة ما بينهما، وقد تبين ان هذه الاتصالات تمحورت على سبل تأمين اجلاء المدنيين من المبنى السكني الذي تحصن فيه افراد الخلية المسلحة، وفق المصادر الامنية التي لفتت الى ان "17 اتصالاً من اصل 18، تلقاها اللواء ريفي من المدعو احمد مرعي من هاتف سوري (حددت رقمه)، وتم من خلاله تسجيل المكالمات التي سربت الى بعض وسائل الاعلام اللبنانية".
يبدو واضحاً من سياق السجال المفاجئ والاتهامات المتبادلة، ان ثمة قراراً سورياً بانهاء ملف ما يسمى "فتح الاسلام" وتصفيته بدءاً بنفي اتهامات لبنانية التي وجهت الى الاجهزة السورية، بالوقوف وراء "اختراع شيء اسمه "فتح الاسلام" وتصديره الى لبنان للتخريب وضرب الأمن والإستقرار وبتوجيه الإتهامات في اتجاه "تيار المستقبل" والمملكة العربية السعودية، بالوقوف وراءه" وهذا ما دفع مصادر سياسية لبنانية الى التساؤل عن "مغزى" هذه العلاقة، وفي الوقت نفسه تتهم دمشق وبعض حلفائها في لبنان الجماعات الارهابية نفسها باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهذا السجال زاد الامور تعقيدا والتباساً وشكل في رأي المصادر نفسها حجة جديدة لضرورة الإحتكام الى فريق ثالث ينظر في نتائج التحقيقات في هذا الملف الخطير امنيا وسياسياً، وبكل المقاييس، تمهيدا لإقفاله ومحاكمة المتهمين والمتسببين بالحرب التي فرضت على الجيش وبنزوح سكان مخيم نهر البارد وبالدمار الذي اصابه والمناطق المحيطة، بدءا بمحاكمة المجموعات المسلحة التي غدرت بالجيش ذات ليل وفجرت الوضع وتحصنت في المخيم المذكور بعد طول تحضير واستعداد، وهذا ما اثبتته مخازن الذخيرة والتحصينات والتقنيات التي كانت في حوزة مجموعات "فتح الاسلام".
وإذا كان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى قد امتنع خلال زيارته دمشق قبل ايام عن الرد على سؤال حول طلب انشاء لجنة تحقيق عربية لتقصي الحقائق في هذا الملف الكبير، فان هذه القضية تبقى في عهدته، ولا بد من تحرك له بين بيروت ودمشق لحسمها. ويتوقع ان يزور موسى بيروت الاربعاء المقبل (للمشاركة في افتتاح مؤتمر وزراء العدل العرب) بعدما أوفد مدير مكتبه هشام يوسف الى بيروت قبل يومين من زيارته دمشق.
ولوحظ ان اوساطاً قريبة من رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري صاحب اقتراح انشاء لجنة تقصي الحقائق، رأت امس ان "التسجيلات الهاتفية السورية المسربة الى وسائل اعلام لبنانية ينبغي ان تضاف الى الوثائق والمستندات المفترض تسليمها الى اللجنة العربية المطلوب انشاؤها".
ويبقى السؤال: هل يتم تأليف هذه اللجنة التي اقترح الحريري على سوريا ان تبادر الى طلب انشائها من موقعها رئيسة للدورة الحالية للقمة العربية وان تختار اعضاءها من الدول العربية التي تثق بها؟
انها مسألة لبنانية – سورية مشتركة، اي بين دولة ودولة، وتتطلب بالطبع موافقة الطرفين، ليس حصراً على قيام اللجنة التي طلبها الحريري، بل على ايجاد آلية ما، تضع حداً للجدل القائم والمتجدد حول هذا الملف الخطير، وذلك لمصلحة سوريا ولبنان وقبل كل شيء وفاء لدماء الشهداء العسكريين والمدنيين الذين سقطوا ضحايا الحرب الوحشية التي شنت على الجيش، وجلاء لحقيقةٍ تكاد ان تضيع في دهاليز الاتهامات والتسريبات على اختلاف انواعها، وبدا في ظل هذا الواقع كأن زعيم جماعة "فتح الاسلام" شاكر العبسي تبخر بقدرة قادر، تماما كما ظهر، ومعه، تبخرت كل الاسرار…
وأسوأ ما في العاصفة التي نجمت عن "حرب التحقيقات" انها اعادت الامور الى النقطة الصفر بعدما بدأت جدياً، الخطوات اللازمة لتطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا، من دولة الى دولة، ومعها انحسر الحديث عن التبادل الديبلوماسي وترسيم الحدود وضبط المعابر وغيرها من القضايا المشتركة. ويُخشى ان تعود الأمور الى ما كانت عليه قبل انتخاب الرئيس ميشال سليمان اي ان تعود العلاقات "مجزأة" و"بالقطعة" بين "النظام السوري" وبعض اهل "النظام اللبناني" وهذا يبقى احتمالاً قائماً الا اذا تمكن الطرفان وعلى اعلى مستوى، من التوصل الى حل مقنع ومعرفة خلفيات الملف الخطير الذي يحمل عنوان "فتح الاسلام" بحيث يعود الزخم الى المساعي الجدية التي بدأت لإعادة بناء ما تهدم في العلاقات اللبنانية – السورية خلال السنوات الماضية.
واما استمرار تبادل الاتهامات فلا يؤدي الا الى توتير العلاقات بين البلدين. ومرة جديدة، وسواء تعلق الامر ببيروت او بدمشق، فإن من يثق بما يملك من معطيات حول ملفات خطيرة في حجم ملف "فتح الاسلام" يُفترض الا يكون محرجاً إزاء التفاهم حول آلية ما تضع حدا للجدل القائم وتطوي هذا الملف بعد جلاء الغموض الذي يكتنفه منذ البداية. ويدرك الجميع في بيروت ودمشق، ان استمرار هذا الغموض يصيب بتداعياته المستمرة سوريا، بمقدار ما اصاب ويصيب لبنان، فالإرهاب هو اياه، ولا يولّد في النهاية الا الإرهاب!