اندفاع العلاقات اللبنانية السورية معلّق بانتظار المحكمة الدولية وتعاطي الإدارة الأميركية الجديدة
دمشق تتعاطى بازدواجية مع لبنان كدولة مستقلة حرة ذات إرادة
ما تزال مسيرة اقامة العلاقات اللبنانية السورية بشكل طبيعي، كما يتمناها معظم اللبنانيين، وكما يجب ان تكون عليه بين بلدين شقيقين، معلقة في انتظار حلول موعد استحقاقات مهمة، ينتظر ان تتبلور من خلالها وقائع ومؤشرات عديدة، لا بد وأن ترخي بظلالها ونتائجها على هذه العلاقات وتحدد مستقبلها، بالرغم من كل الادعاءات القائلة بانطلاق مسيرة هذه العلاقات الطبيعية، منذ الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى دمشق قبل حوالي ثلاثة اشهر والتي انبثق عنها اتفاق التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، وذلك لاول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين·
وليس خافياً على احد حساسية الاستحقاقات المنتظرة، التي تتحكم بانطلاق مسيرة العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا بشكل مقبول على الاقل في المرحلة الاولى، لحين يعتاد المسؤولون السوريون على هذا الاسلوب في التعاطي مع اللبنانيين خلافاً لقناعتهم بذلك·
ويتريث النظام في سوريا بالسير في الخطوات الواجب اتخاذها ميدانياً على الارض، للتأكيد على التزامن بكل مقتضيات إقامة العلاقات الطبيعية المعتادة مع لبنان، ولكنه لا يعطي انطباعاً ظاهرياً للمجتمع الدولي برغبته علىعدم تنفيذ هذا التعهد أيضاً· ويظهر أسلوب التعاطي السوري الالتوائي في تنفيذ إقامة العلاقات بين البلدين من خلال المواقف السياسية والإعلامية لإعطاء الإرشادات المشجعة للغرب عموماً، إيذاناً بالتجاوب والانفتاح وما شابه ذلك، في حين يستمر النظام السوري بالمقابل في التعاطي مع لبنان، بطريقة لا تدل على التزامه الفعلي بكل ما يعلنه ويتظاهر به، كما حصل في اسلوب نشر الاتهامات المزيفة للشبكات الارهابية من على شاشة التلفزيون السوري الرسمي، أو من خلال عرض الاستفزاز المتواصل للقوات السورية على الحدود اللبنانية السورية، وما شابه ذلك من حملات إعلامية وتدخل سافر في الشؤون الداخلية اللبنانية، واستعمال المنابر الإعلامية اللبنانية وتحريض بعض السياسيين لمهاجمة دول عربية اخرى والنيل منها وما شابه ذلك من ممارسات مخابراتية مقرفة، لا تتلاءم اطلاقاً مع متطلبات ومقتضيات إقامة علاقات طبيعية حقيقية، تقوم على اساس الاحترام المتبادل بين دولتين·
فالنظام السوري ما يزال يتردد في الانخراط عملياً في تنفيذ خطوة إقامة علاقات طبيعية مع لبنان، في انتظار تسلم الادارة الاميركية الجديدة مهماتها في ممارسة السلطة على أمل أن يؤدي ذلك، الى تبدل التعاطي الاميركي كما هو عليه الحال في عهد الادارة الاميركية للرئيس جورج بوش، والمراهنة على بدء مرحلة جديدة من الانفتاح والحوار بين الولايات المتحدة والنظام السوري، يتركز أساساً من التعاون الذي قام به في السابق بين الجهتين في الإدارات الاميركية التي حكمت الولايات المتحدة الأميركية، قبل وصول الرئيس الحالي جورج بوش إلى سدة الرئاسة، وقد استطاع النظام السوري خلالها بسط سيطرته ونفوذه على لبنان طوال ثلاثة عقود متتالية، من دون أي إزعاج، وعلى أمل أن يُمكّنه الانفتاح الموعود في التفلت من التزام إقامة علاقات دبلوماسية وثنائية طبيعية مع لبنان، وإبقاء ما تم الاتفاق عليه في هذا الخصوص حبراً على ورق، كما جرت العادة في أمور مماثلة في تاريخ التعاطي بين البلدين، ومن خلال هذا الواقع إذا تحقق وجرت الرياح بما تشتهي سفن النظام المذكور، يفتح باب النقاش مع الإدارة الأميركية في مسائل وأمور أخرى مهمة كمسألة تهرّب النظام السوري من مساءلة تداعيات المحكمة الدولية المخصصة لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي باتت قاب قوسين أو أدنى في بدء عملها وإصدار القرار الظني، وتسمية المشتبه بهم والمشاركين في هذه الجريمة الإرهابية استناداً الى الأدلة المثبتة في محاضر لجنة التحقيق الدولية والشهود، بعدما بات عمل المحكمة يقلق أركان النظام المذكور ويرخي بظلاله على كل ممارساتهم، وهذا ما ظهر من خلال محاولاتهم منع إقامة هذه المحكمة وبأي شكل من الأشكال ولكنهم لم يفلحوا بذلك·
وهناك في المقابل ايضاً فرملة من اكثرية اللبنانيين للاندفاع بالعلاقات الطبيعية مع النظام السوري في المرحلة الحالية، وقبل ظهور نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وانتظار ما ستعلنه المحكمة الدولية من حقائق بهذا الخصوص، لمعرفة الجناة الحقيقيين في هذه الجريمة الإرهابية النكراء، التي تهم هؤلاء اللبنانيين، لأنه لا يمكن تجاوز مشاعرهم وتوجهاتهم قبل جلاء هذه الحقيقة مهما كانت· فتحديد هوية الجناة، لا بد وأن يرخي بذيوله على العلاقات اللبنانية – السورية، سلباً أم إيجاباً، مهما حاول البعض التخفيف من وقع ما ستصل إليه المحكمة الدولية في هذا الخصوص·
ولذلك، لن يفيد تصوير ذهاب بعض الوزراء والنواب والشخصيات إلى دمشق وكأنه انطلاقة فعلية لمسيرة إقامة علاقات طبيعية بين البلدين، أياً كانوا هؤلاء، قبل جلاء نتائج الاستحقاقات المهمة المقبلة وخصوصاً نتائج المحكمة الدولية وتعاطي الإدارة الأميركية الجديدة مع لبنان والمنطقة عموماً، لأن في تصوير هذا الأمر مبالغة، لا تستند إلى واقع ثابت لمصلحة البلدين، ويكون الادعاء خلاف ذلك، كمن يبني هذه العلاقات على الرمل، وعندها تنهار من أول ارتجاج يحصل·