"الجنون الدعائي" يُدخل لبنان في واحدة من أخطر حقباته ودور لجنة التحقيق لا يعوّض المطلوب من لجنة تقصي الحقائق
مرعي "فاوض" ريفي بأحد أرقام آصف شوكت الهاتفية
بات محسوما أن الرئيس السوري بشار الأسد يرفض كليا تشكيل لجنة عربية لتقصي حقائق منظمة "فتح الإسلام "الإرهابية.
موقف الأسد معروفة خلفياته، فهو يُدرك "باطن" هذا الملف، لأن انطلاقة فتح الإسلام بدأت أصلا في القصر الجمهوري السوري، بتوقيعه شخصيا على مراسيم عفو لمجموعة إرهابية على رأسها شاكر العبسي، بعدما اقتنع بالعمل وفق توجهات فرع فلسطين في المخابرات العسكرية السورية.
والأسد يدرك قبل غيره بأن ما دُسّ على لسان "اسراه المرفهين" عن تمويل "تيار المستقبل" لهذا التنظيم الإرهابي ساقط حتما، وهو يشبه الى حد كبير تلك الدعاية السوداء التي عمت لبنان في أيار 2007 ومفادها أن هجوم مجموعة من "فتح الإسلام" على فرع مصرف البحر المتوسط، لم يكن هدفه السرقة إنما الإستحصال على "حق مهضوم"، في ظل تجاهل عارم لحقيقة مفادها ان مصرف البحر المتوسط لم يكن سوى حلقة من سلسلة ضمت خمسة مصارف أخرى ومركزا ماليا.
كما أن الرئيس السوري الذي يشغل الفضاء السياسي العربي بالشتائم (من خلال الألسنة المستعارة في لبنان وسوريا)، لن يرضى بأن تضع الدول العربية يدها على ملف يُظهر أساليب نظامه في تصدير الإرهاب الى الدول العربية وغير العربية، أيضا. وثمة من يعتقد بأن جامعة الدول العربية لا تملك آلية لإلزام النظام السوري بالخضوع للجنة تنشئها، لأنها أساسا لا تملك قدرة معاقبة الدول التي تمتنع عن التعاون معها.
وعلى هذا الاساس، ماذا يفترض بلبنان أن يقوم به؟
هل عليه أن يرضى بما قرره الأسد؟ وهل يمكن أن يسمح لنظام معروفة تطلعاته المعادية بأن يؤسس على "خرافات" هجومات على مكوناته الوطنية؟ وهل المطلوب من لبنان الصمت على حقه، لأن النظام السوري قادر على زعزعة استقراره، وبالتالي عليه أن يصمت على الإجرام الذي استهدفه علّه يُنقذ نفسه من المزيد من الإجرام؟ أم ينقل لبنان الملف الى الأمم المتحدة، ويطلب منها أن تشكل لجنة تقصي الحقائق، خصوصا وأن مكافحة الإرهاب، رعاية وتمويلا، هي مسألة أممية مقيدة بأحكام القرار 1737 و1466، وتاليا هناك فرصة للمجتمع الدولي أن يكتشف بالدليل أسرار واحدة من المنظمات الإرهابية الفتّاكة وكل من يقف وراءها؟ وهل يمكن أن تقود فرنسا هذه المطالبة، خصوصا وأنها كانت تستمع الى الأسد كيف ينظر للخطر الكامن في شمال لبنان، وكيفية انتقاله الى شواطئ أوروبا؟
وهذه المسألة لا بد من إثارتها، اليوم مع رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا فيون الذي يبدأ زيارة عمل للبنان تشمل بما تشمل تمويل تجهيزات للجيش اللبناني حتى يقوى عضده في مكافحة الإرهاب، على الرغم من إدراك الجميع أن أفعل وسيلة لمكافحة الإرهاب تكون بالوقاية من خلال ضرب رعاته ومموليه.
والإصرار على لجنة تقصي الحقائق لا يتضارب مع المهام المسندة الى لجنة التحقيق الدولية. تقصي الحقائق هو لكشف راعي الإرهاب أمام المجتمع السياسي وتاليا إرساء علاقة معه وفق قواعد مكافحة الإرهاب الأممية، في حين أن عمل لجنة التحقيق الدولية يقتصر على غايات جنائية، بحيث يتم كشف الجهة المتورطة بالإغتيالات وإحالة أفرادها على المحاكمة.
وفي هذا السياق، فإن المعلومات تؤكد أن لجنة التحقيق الدولية وضعت يدها على فيلم "إعترافات" السورية كما استفسرت عن تفاصيل تتعلق بالتسجيلات الصوتية التي جرى بثها للمفاوضات التي أدارها المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي مع أحمد مرعي، وباتت تملك وثائق تُثبت أن رقم الهاتف السوري الذي اتصل منه مرعي هو من الخطوط الموضوعة بعهدة المخابرات العسكرية السورية، وأن رئيس المخابرات العسكرية السورية اللواء آصف شوكت كان يتابع اتصالات مرعي، بعدما أُصيب بنوبة غضب وهو يرى أهم مجموعاته التخريبية في لبنان محاصرة في شارع المئتين، بعدما تمكن قبل شهر واحد، من فك طوق ضربته مديرية المخابرات في الجيش اللبناني عليها، مما مكنه من إخراج "أمير تفجير لبنان" المدعو أبو أحمد الى سوريا، وهو الذي كان في إحدى البنايات المحاصرة.
ومعروف أن لجنة التحقيق الدولية سبق لها وحققت، مراراً وتكراراً، مع أهم كوادر "فتح الإسلام" وحصلت منهم على المعلومات التي تحتاجها، وتاليا فهي باتت تملك "بنك معلومات" يعينها على التمييز بين المدسوس والحقيقي، وبين المزوّر والأصلي.
وتدرك لجنة التحقيق، على الرغم من كل الدعاية السياسية أن أحمد مرعي كان على صلة بجهات مخابراتية سورية عدة، باستثناء قوى الأمن الداخلي، وتاليا فإن ما قاله أمامها، لا ينال منه شريط تلفزيوني أو تفسير لتسجيل هاتفي، بل إن ما يحصل على هذا المستوى الدعائي يرتد جنائيا ضد من يقدم على بثه، على اعتبار أن الروح التي أسست لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والوزير بيار الجميل وغيرهما، لا تزال تحوم في مسرح جرائمها.
وعلى هذا الأساس، يبدو أن المطلوب سوريا في هذه المرحلة، ليس تعمية لجنة التحقيق الدولية بل تهيئة الرأي العام لإمكان خوض معركة مع ما يمكن أن يصدر لاحقا من قرارات عن لجنة التحقيق الدولية وعن النيابة العامة التابعة للمحكمة الدولية المتوقع ان تبدأ أعمالها في شباط أو آذار المقبلين.
وأمام حفلة الجنون المخابراتية السورية المتجددة تجاه لبنان، لا بد من أخذ الحيطة والحذر، لأن الزمن اللبناني دخل في حقبة خطرة جديدة من حقباته الخطرة، فالصورة اللبنانية الحالية هي خليط من حقبتين قاتلتين، الأولى شبيهة بتلك التي عرفتها البلاد عشية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على خلفية الإنتخابات النيابية "المصيرية "والثانية شبيهة بحقبة تشويه الحقائق التي بدأت باختراع ملف إسمه لؤي السقا المسجون في تركيا ومرت على نسب مواقف للشاهد محمد زهير الصديق لم يقل مثيلا لها على الإطلاق ووصلت الى "استرداد" المخبر هسام هسام.
حفلة الجنون هذه تضع قيادات كبيرة في قوى الرابع عشر من آذار على شفا الخطر كما أنها تضع مجموعة من الناشطين أمام مسؤولية الحيطة والحذر، خصوصا أن مرحلة ما بعد هسام هسام شهدت اغتيالات نوعية طالت أول من طالت النائب الشهيد جبران تويني.