لأن العلاقات بين البلدين عانت الكثير في زمن الوصاية
انسحاب القوات السورية لا يكفي لإعادة بناء الثقة
توقفت اوساط سياسية عند قول العماد ميشال عون رداً على سؤال حول زيارته لسوريا: "كنت اقول دائما عندما تترك سوريا لبنان سنحاول اقامة افضل العلاقات معها"… وكان قد اعلن اكثر من مرة "ان سوريا لا تحكم من لبنان ولا لبنان يحكم من سوريا" فكانت النتيجة ان "لبنان يحكم من سوريا وحتى عبر لبنان بالذات".
وتساءلت الاوساط نفسها متى كانت العلاقات اللبنانية – السورية مستقرة منذ عام 1943 حتى اليوم ولم يطرأ عليها من حين الى آخر ما يعكرها، سواء في زمن وصايتها على لبنان ووجود جيشها فيه او قبل هذه الوصاية وبعدها. افلا يتذكر العماد عون يوم قطعت سوريا القمح عن لبنان في الاربعينات فاضطر الى شرائه من الخارج، أفلا يتذكر يوم لامت سوريا لبنان وانتقدته بشدة لأنه سبقها الى عقد اتفاق نقدي مع فرنسا حماية لليرة اللبنانية. ثم اضطرت هي الى ان تفعل الشيء نفسه لانها لا تريد ان يتصرف لبنان وحده ومن دونها؟ أفلا يتذكر يوم انزلت سوريا الخشبة على الحدود في المصنع اكثر من مرة واقفلت الطريق امام حركة النقل حتى في عهد الرئيس سليمان فرنجيه رغم انه كان صديقا حميماً للرئيس حافظ الاسد؟ ألم تتدخل سوريا في احداث 1958 ضد الرئيس كميل شمعون فسلّحت انصارها في لبنان، ولم تستقر العلاقات اللبنانية – السورية نسبيا الا خلال فترة الوحدة السورية – المصرية، ولكن بعد انهيار هذه الوحدة عادت العلاقات الى اجواء الحذر والبرودة والريبة وتخللها إغلاق حدود ومناوشات واتهامات متبادلة واحيانا حوادث امنية على الحدود بين المخافر المتقابلة. وظلت العلاقات اللبنانية – السورية خاضعة للمزاج السوري، فكان اقفال الحدود من وقت الى آخر وسيلة ضغط على لبنان وابتزاز له، واصبح لبنان بسبب هذه العلاقات الحذرة والمريبة ملجأ للسياسيين والضباط السوريين الهاربين من الانقلابات العسكرية المتعاقبة، وكان مطلوبا منه تقييد نشاطهم او اخراجهم من اراضيه شرطا لتحسين هذه العلاقات.
وشاركت سوريا مباشرة او غير مباشرة في حرب عام 1975 وأثرت في مجرياتها، تارة في هذا الاتجاه وطورا في ذاك، فدخل لبنان عام 1976 فصيل فلسطيني مسلح كان تحت سيطرتها، لا سيما "تنظيم الصاعقة" ثم دخلت سوريا لبنان في اطار "قوات الردع العربية" التي تحولت فيما بعد قوات سورية صرفة، بعدما أطلقت الادارة الاميركية بتوافق عربي وقبول اسرائيلي يد النظام السوري في لبنان كما اطاحت سلطة العماد ميشال عون بعد قيامه بمغامرة "حرب التحرير" التي لم تكن حربا متكافئة بل كانت حربا اكبر منه فخسرها وجعل لبنان كله يخسر معه بشريا وماديا. وشاعت في لبنان خلال حكم الوصاية السورية الرشوة وعم الفساد الاداري والسياسي وتم انشاء المجلس الاعلى اللبناني – السوري ليكون مصدر القرارات ويقيم ما يشبه "النظام الكونفيديرالي بين البلدين، واصبح النظام الديموقراطي في لبنان صورة مشوهة ومزيفة لا يستطيع الشعب في ظل الممارسة السيئة التعبير عن رأيه بحرية، فكانت نتائج الانتخابات عام 1992 الدليل الساطع على ذلك اذ قاطعها 85 في المئة من الناخبين ففاز نائب بـ54 صوتا وآخر بـ136 صوتا… واعتبر المجلس المنبثق منها مجلسا شرعيا يمثل ارادة الشعب تمثيلا صحيحا…
ولم تطبق سوريا من اتفاق الطائف الا ما يخدم مصالحها ومصالح اتباعها في لبنان في كل المجالات السياسية والامنية والاقتصادية والقضائية، فاستطاعت ان تتحكم في سياسته ومقدراته الاقتصادية واللعب على التناقضات فيه. فهي التي اختارت الياس الهراوي رئيسا للجمهورية وقررت التمديد له ثلاث سنوات وهي التي اختارت العماد اميل لحود رئيسا للجمهورية وقررت التمديد له ثلاث سنوات ايضا. وكان العماد عون من اشد معارضي ذلك وتوقع سقوطه ثم اصبح من اشد مؤيديه الى ان كانت "ثورة الارز" وانتفاضة الاستقلال بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وقد وصف هذا الاغتيال بجريمة العصر.
ولم تنم سوريا بعد ان اضطرت الى سحب قواتها من لبنان تحت ضغط الشارع على ضيم وتتقبل ذلك بسهولة، فتدخلت بكل ما تملك من بقايا قوة لتحافظ على ما تبقى من سلطتها في لبنان ووضعتها في مواجهة السلطة المنبثقة من اكثرية نيابية اسفرت عنها انتخابات 2005 فحالت دون اطاحة الرئيس اميل لحود ووضعته في مواجهة نصف السلطة الجديدة ومعه نصف السلطة القديمة، كما حالت من خلال الابقاء على هذا الوضع الشاذ دون تمكين الاكثرية من انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفها وذلك بتعطيل تأمين نصاب الثلثين، الى ان اضطرت الى تأمين هذا النصاب بعد الاتفاق في الدوحة على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية كونه رئيسا توافقيا لا هو من قوى 8 آذار ولا من قوى 14 آذار، بعد ان قبضت ثمن تسهيل انتخابه، اشراك حلفائها في لبنان في حكومة وحدة وطنية تستطيع بواسطتهم تعطيل صدور اي قرار عن مجلس الوزراء غير مقبول منها. وان يعتمد قانون انتخابات الـ60 بدون اي تعديل في تقسيم الدوائر لتجعل المعركة يدور وطيسها في المناطق المسيحية فقط اعتقادا منها ان الغلبة فيها ستكون للعماد ميشال عون حتى اذا طرأ ما يحول دون ذلك فان "حزب الله" يعوضه خسارة عدد من المقاعد في المناطق المسيحية بجعله يسمي المرشحين المسيحيين في مناطق الثقل الشيعي، وذلك تنفيذا لقرار الرئيس الاسد القاضي بضرب الاكثرية الحالية التي وصفها دائما بالاكثرية "الوهمية والعابرة"…
والسؤال المطروح الآن هو: هل تعود العلاقات اللبنانية – السورية الى طبيعتها في عهد الرئيس ميشال سليمان، وتترجم بصدق واخلاص نتائج لقاء القمة مع الرئيس الاسد؟ بحيث ان هذه العلاقات لا تبنى على اقامة تمثيل ديبلوماسي فحسب، ولا على نصوص تتضمنها الاتفاقات والمعاهدات، انما تبنى على ما في النفوس وعلى الثقة المتبادلة وحسن الممارسة ودقة التطبيق. فالثقة بين لبنان وسوريا مفقودة على مدى سنوات بفعل التراكمات وسوء الممارسات، وسوء الظن، ولا يمكن اعادة بناء الثقة من خلال زيارة او زيارات مجاملة او لقاءات محدودة الهدف، بل من خلال الممارسة وحسن الظن والتسليم الصادق والنهائي بلبنان الدولة السيدة الحرة المستقلة التي ينبغي ان يكون التعاطي معها وليس مع فريق لبناني حليف لها سواء كان مع هذه الدولة او لم يكن معها؟ والممارسة الصحيحة تكون بعدم التدخل في شؤون لبنان الا اذا طلب لبنان الرسمي هذا التدخل لمصلحة البلدين ويكون هذا التدخل عندئذ ايجابيا وليس سلبيا مثل معالجة قضية اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، وازالة اسلحة الفلسطينيين خارج المخيمات وضبطها في الداخل، ووقف ارسال الاسلحة عبر حدودها الى لبنان وتحديدا الى "حزب الله"، توصلا الى تنفيذ القرار 1701 واسقاط ذرائع اسرائيل التي تبرر بها خرق هذا القرار، والتنسيق بين الدولتين فيما يتعلق باسرائيل، وعدم دعم فريق لبناني على حساب آخر لا في السياسة ولا في الانتخابات، بل ان يقتصر هذا الدعم على لبنان الرسمي والشعبي بدون تمييز، لأن قوة لبنان وقوة الحكم فيه قوة لها. وكل ما تفعله في اتجاه فريق واحد يصبح قوة عليها ومشكلة وعداوة لها.
لقد قام في لبنان اكثر من حكم موال او منقاد لسوريا كما قام حكم معارض ومناوئ لها، وظلت سوريا تمارس سياسة التحفظ او التدخل في كل شيء، لأنها ما زالت تعتبره تابعا لها او ملحقا بها وليس من حقه ان يقرر شيئا من دون العودة اليها. لذلك فليس مجرد انسحاب القوات السورية من لبنان كما يعتقد العماد ميشال عون، يجعل العلاقات تعود الى طبيعتها بين البلدين، بل يحتاج الامر الى وقت والى حسن الممارسة بالأقوال وليس بالأفعال من اجل اعادة بناء الثقة كي تدخل الطمأنينة الى النفوس، لأن ذاكرة اللبنانيين ما زالت تعاني من مرحلة الوصاية السورية، وما زالت جرائم الاغتيال لا سيما جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه تلقي بظلالها السوداء على هذه العلاقات.