#adsense

هل تغيّر 14 آذار خطابها لمواجهة استحقاق ربيع 2009؟

حجم الخط

هل تغيّر 14 آذار خطابها لمواجهة استحقاق ربيع 2009؟
نظرة لبنانية من الانتشار

على مسافة نحو خمسة أشهر من الانتخابات النيابية المقبلة، والتي ستحسم ليس موازين الأقلية والأكثرية في برلمان 2009 فحسب، بل ستحدد الى درجة بعيدة مصائر البلد، صيغة وكياناً سياسياً كما ستظهر التوجهات المستقبلية للدولة اللبنانية حيال العديد من المفاصل الأساسية، يبدي لبنانيون ينتمون الى التيار الاستقلالي ويقيمون في الخارج، خشيتهم الكبيرة بالنسبة الى نتائج هذا الاستحقاق، لناحية ما يعتبرونه تقصيراً من قوى 14 آذار في التحضير له، خطاباً سياسياً وشعارات ورؤى واستعداداً، في وقت لا يتردد الفريق الآخر عن الافصاح عن مراهنته على نتائج الانتخابات لتغيير معادلات الداخل.

لبنانيو الانتشار الذين يشكلون قوة استقلالية مبدعة، اقتصادياً وفكرياً وثقافياً، لها وزنها وحضورها وديناميتها التواصلية مع المجتمعات المضيفة، يجمعهم قاسم مشترك أبرز، يلحظه بسهولة من يتابع نشاطاتهم عن كثب، وهو غياب الاستقطابات المذهبية التي تأسر العمل الوطني في لبنان لمصلحة حضور عامل الانتماء الى الوطن قبل الطائفة في مقاربة شؤون الوطن وشجونه، وثمة قناعة عميقة لدى النخبة اللبنانية المقيمة في دبي بأن المرحلة الراهنة وحساسية الاستحقاقات المقبلة تفرض مراجعة سياسية بعيدة عن الخطاب الشعبوي أو العشوائي.

وفي جلسة جمعت وجوهاً من هذه النخبة جرى حديث حول هذه العناوين، واذ جال هؤلاء على معظم ما يشغل الرأي العام من مستجدات، بدا أنهم متفقون على ما يمكن اعتباره قواسم مشتركة في رسم ملامح الأزمة وسبل التعامل معها، وهي: ضرورة تحديد مكامن الثغرات في الخطاب الأكثري خلال السنوات الثلاث الأخيرة، الموقف من السعي السوري الى اعادة انتاج وصايته على لبنان، والاستعداد المدروس والشفاف والموحد لخوض الانتخابات النيابية.

السلبية في مواجهة التحدي

في المسألة الأولى، وتأسيساً على "الاشارات" التي عكستها نتائج انتخابات نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، واحتمالات انعكاس ذلك على ما يمكن أن يحصل في استحقاق ربيع 2009، يرى هؤلاء، ان قوى 14 آذار بمقدار ما هي قادرة، ولأسباب عديدة تتصل بأمزجة الغالبية الساحقة من اللبنانيين، على صوغ خطاب سياسي باستطاعته استنفار القاعدة الشعبية الأكثرية مرة أخرى، تبدو حتى الآن مشتتة وتعاني تراجعاً في الاندفاعة لمواصلة معركتها الاستقلالية، وأكثر من ذلك أنها تعاني ضياعاً في الأولويات مع أداء سياسي يعطي انطباعاً بالسلبية في مواجهة الاستحقاقات والغرق في الصدامات البينية على قاعدة الاختلاف على الحصص وليس على كيفية مواجهة وإدارة الاستحقاق بحد ذاته.

هذا الأمر، بحسب هذه المجموعة، يفرض على قيادات 14 آذار المسارعة الى المبادرة لشرح بعض المحطات والمواقف الأخيرة التي فهمت على أنها تصب في خانة "التراجع"، ووقف التغني المكرور بمكتسبات الماضي من مثل تحقق الانسحاب السوري واقامة المحكمة الدولية والبناء على غضبة ما بعد الاغتيالات والتفجيرات، وقبل ذلك وبعده يفرض وقف المنطق السلبي الذي يطبع مواقف بعض أطراف الأكثرية لناحية الاستعداد للانتخابات بمنطق من يستعد للفشل، فيبادر الى اشاعة "مقدمات" من مثل التحلي بروح المنازلة الديموقراطية وتقبل رأي الناس من دون المبادرة الى مخاطبة هذا الجمهور بما يقنعه بأهمية استحقاق 2009 وحساسيته وبما يثنيه عن أي مغامرة بمقاطعتها أو التعامل معها باللامبالاة.

وفي هذا الإطار يسأل هؤلاء، لماذا لم تبادر الأكثرية الى شرح خلفيات بعض المواقف التي طبعت أداءها في المراحل الأخيرة؟ فماذا عن الانتخابات الرئاسية، وماذا عن أحداث 7 أيار، ثم اتفاق الدوحة وحكومة الثلث المعطل، وما هي الاسباب الحقيقية وراء هذه التراجعات والتنازلات، وهي أمور قد توصل، ودائما بحسب هؤلاء، الى المحظور الأكبر الذي يتمثل بأن لا تلبي القاعدة الشعبية نداء الانتخابات النيابية نتيجة ما قد يفهموه انقسامات على المغانم في وقت لا يزال لبنان في صلب معركته الاستقلالية، وذلك اذا لم يستدرك قادة الغالبية فيخاطبونها بلغة جديدة وشعارات مختلفة عن تلك التي سمعوها طيلة الفترة الماضية؟. ويخلصون الى القول ان المطلوب هو تكثيف مستوى التواصل مع المطالب المحقة والمزمنة للقواعد الشعبية المعنيّة، والتخلي عن منطق الهروب الى الأمام برفع شعارات كبيرة، واسعة ومطاطة تلحظ كل قضايا الكون ما خلا مطالب جمهور 14 آذار. بمعنى أوضح ضرورة الاعتراف بأن ثمة أزمة تواصل قائمة وحاضرة ولا مناص من مواجهتها بما تستحقه من اهتمام.

"اعترافات" وحلم الوصاية

في المسألة الثانية، وبعد استحضار تحليلي لما بات يعرف بفيلم "اعترافات" السوري من بطولة موقوفين من عصابة "فتح الإسلام"، تجزم النخبة اللبنانية في الانتشار بما هي عينة تعكس مزاج الغالبية هناك، بأنه يخطئ من يظن أن باستطاعة النظام في دمشق تقبل لبنان سيّد وحر ومستقل الى جانبه، ومخطئ أكثر من يظن أن باستطاعة هذا النظام تغيير سلوكياته حيال لبنان، وان حصل شيء من ذلك في الشكل، فمن المؤكد أن في الأمر مناورة لاستدراج عروض أو استمالة خصم أو تمرير أزمة أو مداراة قوى اقليمية أو دولية، فهذا النظام كما بات معلوماً نشأ على سلوك معين وخطاب معروف ومن الصعب، ان لم يكن من المستحيل، تغييره.

على أن سوريا، بحسب هؤلاء، انما تهدف من وراء سلوكياتها الأخيرة تجاه لبنان، بدءاً من الاعلان المجزوء والملتبس عن التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، مروراً بالحشود العسكرية على الحدود الشمالية والشرقية وصولاً الى عروض "اعترافات" الدرامية، الى الآتي:

أولاً: إعادة فرض وصايتها الأمنية والسياسية على لبنان، وذلك من خلال احياء الاتفاقيات المعقودة سابقا بين البلدين، بصيغ ومداخل جديدة، من مثل توسيع اطار "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" عبر الهيكل الموروث عن مرحلة الوصاية الذي يسمى "المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني" بدل اعادة النظر بكل ذلك على قاعدة تلمس المصلحة الوطنية ومقتضيات ما بعد انجاز الاستقلال.

ثانياً: ابتزاز "تيار المستقبل" بما هو التيار الأوسع تمثيلاً وشرعية شعبية وسياسية من خلال اتهامه برعاية الارهاب تمهيداً لمقايضته على المحكمة الدولية، وقد أزف تحققها كياناً قائماً في الربع الأول من السنة المقبلة، وفي الوقت نفسه المراهنة على استثارة الشارع المسيحي بـ "فزاعة" الارهاب لتحويله من موقع الدفاع عن المكتسبات الاستقلالية الى موقع الدفاع عن الذات في مواجهة الداخل.

ثالثاُ: اشغال قوى الأكثرية بسيل من الاتهامات لتحويلها من موقع الهجوم الى موقع الدفاع على ابواب انتخابات 2009، بما يعزز موقع حلفاء دمشق في خضم التحضير للمعركة الانتخابية وبما يضمن لهؤلاء الفوز بأكثرية مقاعد المجلس.

جرأة المبادرة

في المسألة الثالثة، يتشارك اللبنانيون في الخارج القناعة بأن انتخابات 2009 ليست محطة عادية في سياق حماية ما تمّ انجازه منذ ثورة 14 آذار 2005، بل ينبغي ان تكون منطلقاً جدياً لتوسيع ما أنجز والانطلاق منه لفرض اعادة الانتظام الى الحياة الدستورية في لبنان ومنطق المؤسسات، بما يلغي مقولة الثلث المعطل، وحق "المعارضة" باستعمال الحديد والنار وتعطيل الاقتصاد لتحقيق الغلبة، وبما يعيد الاعتبار الى المؤسسات الدستورية ومقتضيات العمل الديموقراطي، ناهيك عن المضي في الحوار الوطني لانضاح حلّ مرض وعملي لمسألة السلاح خارج إطار الدولة والاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية.

اذاً، لا جدال في ان التيار الاستقلالي يقف عند مفترق طرق تاريخي، يستشعره جمهور عريض في الداخل والخارج، وعلى قيادات هذا التيار المسارعة الى تغيير خطابها والتفكير بعمق في وسائل الاستقطاب التي تعتمدها راهناً. فلكي تربح 14 آذار الانتخابات بجدارة لا بدّ من أن تبادر الى تقديم مشروعها الموحد للتغيير مترافقاً مع خطاب سياسي يلحظ هموم الناس وقضاياهم وبالتالي يمكن عندها القول بأن كل شائعات تحول الأكثرية الى أقلية انما هي مجرد حلم ليلة صيف، سواء طال أمده أم قصر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل