ميليباند ولارسن يؤكدان أن لبنان "قضية دولية" وشرط للسلام الإقليمي.. والمملكة إلى "اقتحاميّة" سياسية
عوامل تدعم "ربيع" 2009 .. أو "نورماندي 2"
في زيارته الى بيروت قبل يومين، أطلق وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند سلسلة مواقف مترابطة متكاملة.. ومهمة.
ميليباند: إنتخابات لبنان قضية دولية
أعلن أن "العالم بأسره سوف يتابع إحترام جميع الأطراف للمسيرة الديموقراطية في لبنان". وشدد على "ضرورة أن تكون ديموقراطية لبنان وإستقلاله وسيادته عناوين محميّة خلال الإنتخابات اللبنانية المقبلة".
هذا الكلام البريطاني "ناطق" في حد ذاته، وواضح. ويعني أن الإنتخابات النيابية اللبنانية المقبلة "قضية دولية". ويعني أن الوزير البريطاني أبلغ رئيس النظام السوري في دمشق التي زارها قبل بيروت أن عليه "إحترام المسيرة الديموقراطية" في لبنان وعدم التدخل فيها وتعطيلها، باعتبار أن سلوك نظام الأسد في لبنان لا يزال قيد الإمتحان الدولي.
على أن ميليباند لم يكتفِ بذلك الربط بين إستقلال لبنان وسيادته من جهة وديموقراطيته وسلامة إنتخاباته المقبلة من جهة أخرى، بل حدد سببين رئيسيين لتعاطي "العالم" مع الإنتخابات اللبنانية بوصفها "قضية دولية". فهو قال إنه "لن تكون هناك فرصة ضائعة للسلام في الشرق الأوسط". ثم قال إن "سنة 2009 ستكون سنة التغيير"، شارحاً "التغيير" على تقاطع ثلاثة أحداث هي "رئيس جديد في الولايات المتحدة، حكومة جديدة في إسرائيل، وإنتخابات لبنان".
لارسن.. ومعنى "التغيير" في 2009
يؤشر كلام ميليباند الى معاني الإهتمام الدولي بإنتخابات لبنان المقبلة. فهو إهتمام دولي بلبنان المستقل السيد في حد ذاته. لكنه إهتمام دولي بلبنان من زاوية "السلام في الشرق الأوسط" ومن زاوية "التغيير" على مستوى المنطقة والعالم.
وبالمناسبة، فإن ما قاله الوزير البريطاني، سبقه الى قوله المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن قبل أيام. فعشية إفتتاح مؤتمر حوار الأديان في نيويورك قبل نحو أسبوعين، بمبادرة سعودية و"تنظيم" دولي، إعتبر لارسن أن "المؤتمر يحدث في توقيت مثالي". وعزا "مثالية التوقيت" الى ثلاثة أسباب هي "إنتخاب رئيس أميركي جديد، الإنتخابات المقبلة في إسرائيل، والإنتخابات النيابية اللبنانية مطلع الربيع المقبل".
هذه المواقف جميعاً تؤكد جملة من الوقائع في آن واحد. تؤكد أن إستقلال لبنان "عن" سوريا أمرٌ لا رجعة فيه. وأن إستقلال لبنان إرادة لبنانية وقرار دولي معاً. وأن النظام السوري باقٍ تحت "الملاحقة" و"المتابعة" الدوليتين كي "يحلّ" عن لبنان. وتؤكد أن لبنان مفتاح السلام الإقليمي والدولي وأن لا إنقطاعات في العناية الدولية بلبنان "اللبناني" ولبنان "الإقليمي". وأن ثمة تصميماً دولياً على أن يكون العام 2009 عاماً لإنجازات يتم التأسيس عليها لـ"إستكمال" الحرب على الإرهاب الذي يتغذى من "أزمة الشرق الأوسط".
أوباما و"العمل" الفوري
وتأتي هذه المواقف فيما أمكن في الأسابيع القليلة الماضية تسجيل عددٍ من المعطيات ـ المؤشرات البالغة الأهمية.
المعطى ـ المؤشر الأول آتٍ من واشنطن. وفيه أن الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما وإدارته لن يأخذا وقتاً "مستقطعاً" إضافياً بعد الدخول الى البيت الأبيض في كانون الثاني المقبل، وأنهما سينتقلان الى العمل فوراً. وثمة، في هذا المجال، من لفت الى أن ميليبند قال ذلك بصراحة لبشار الأسد و"نصحه" بأن "يستفيد" من فترة الشهرين بين تشرين الثاني الجاري وكانون الثاني المقبل كي يُعطي إشارات إيجابية.
فرنسا و"الشراكة الإستراتيجية" مع السعودية
المعطى ـ المؤشر الثاني آتٍ من باريس، وفيه عنوانان. أولهما، أن فرنسا التي انفتحت على النظام السوري بهدف "إعادة تأهيله" تجاه الغرب والمجتمع الدولي، تؤكد أنها "يقظة" حيال هذا النظام وتنصحه تالياً بعدم التراجع عن مسار إلتزامه بتنفيذ دفتر شروط تغيير السلوك. وثانيهما أن فرنسا تعمل حالياً على تصحيح مسار علاقتها بالمملكة العربية السعودية بعد فترة من "الضباب". وفي هذا السياق ينبغي النظر الى ما أعلنه الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان في تصريح صحافي أول من أمس إذ قال إن الرئيس نيكولا ساركوزي يزور المملكة في الأيام المقبلة من أجل "شراكة إستراتيجية" بين باريس والرياض.
دمشق: "أبو غادية" و"الفيلم"
المعطى ـ المؤشر الثالث آتٍ من "العالم" ومن دمشق.
من "العالم" ما يفيد أن النظام في سوريا تحت ضغوط دولية "متجدّدة". قبل أيام، أعلن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي أن مفتشي الوكالة عثروا في الموقع السوري الذي قصفته إسرائيل في أيلول 2007 على "أثر يورانيوم". وهذا ما عاد مجلس الوكالة وأكده. وذلك يعني أن "الملف النووي" السوري مفتوح.
أما من دمشق فأتى "الفيلم السوري" بما سمّي "إعترافات فتح الإسلام". وفي هذا المجال، فإن روايةً منطقيّة لـ"سرّ الفيلم" تقول إن الإنزال الأميركي في منطقة "البوكمال" على الحدود بين سوريا والعراق نهاية تشرين الأول الماضي، أسفر عن اعتقال السوري المدعو "أبو غادية" وهو "رجل الارتباط" بين المخابرات السورية والمجموعات الإرهابية سواء "القاعدة" أو "فتح الإسلام" في العراق ولبنان. وتضيف الرواية أن "أبو غادية" أعطى كل المعلومات الى القوات الأميركية، وأن هذه المعلومات التي تؤكد صلة النظام السوري بالإرهاب باتت في عهدة واشنطن والغرب. وجواباً على ذلك، حاول النظام "إستلحاق" نفسه بـ"الفيلم" ليبدو في مظهر من يكافح الإرهاب ويلقي القبض على شبكاته وعناصره. وتزامناً، تتحدّث المعلومات عن تصفيات طاولت إرهابيين يعرفون الكثير عن المخابرات السورية وأدوارها في جرائم عدة، في لبنان بنوع خاص.
المملكة: حوار الأديان و"هجوم السلام"
أما المعطى ـ المؤشّر الرابع فآت من الرياض.. ونيويورك. صحيحٌ أن المبادرة السعودية في الدعوة الى مؤتمر حوار الأديان ينبغي النظر إليها في الإطار المحدّد لها بما هي "هجوم إعتدال إسلامي" يهدف الى تصحيح صورة الإسلام وإعادة تقديمها على حقيقتها بعد ما ألحقه الإرهاب بها. بيدَ أن مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، هي في عمقها "هجوم سلام عربي" مرتكز الى مبادرة السلام العربية التي انطلقت من الملك عبدالله في الأصل. هجوم سعودي بـ"المبادرة". وأهمية ذلك أن المملكة تؤشّر الى انتقالها الى ما يمكن تسميته "الاقتحام" السياسي ـ الديبلوماسي بعنوان السلام العادل والشامل، في العام الذي وصفه ميليبند بأنه عام التغيير.
"المنعطف".. و"نورماندي 2004"
إلامَ تهدف المقدّمات الآنفة؟
الى القول أن المواقف المعلنة دولياً من ناحية والمعطيات ـ المؤشرات السالفة التي يمكن أن يضاف اليها معطى ـ مؤشّر خامس يتعلق بالاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية من ناحية أخرى، تعني بالنسبة الى لبنان أن ثمة منعطفاً دولياً جديداً. منعطف "يشبه" في جوانب كثيرة "قمة النورماندي" في حزيران 2004 بين الرئيسين جورج بوش وجاك شيراك. مع فارق مهمّ هو أن المملكة ـ أي قيادة النظام العربي ـ "داخل" هذا المنعطف هذه المرّة. وكما كان منعطف 2004 مؤشراً الى ربيع لبنان 2005، يمكن لمنعطف أواخر 2008 أن يكون مؤشراً الى ربيع 2009. وفي جميع الأحوال، المؤكد أن التوازن الخارجي حول لبنان داعمٌ لربيع لبناني آخر.
