#dfp #adsense

لحظة تفاؤل.. في حرب الثقافتين

حجم الخط

الاستقلال الأوّل كما يحييه أوّل رئيس للجمهورية بعد نيل الاستقلال الثاني
لحظة تفاؤل.. في حرب "الثقافتين"

لأوّل مرّة بعد نيله الإستقلال الثاني في أواخر نيسان 2005، يحيي لبنان الذكرى الخامسة والستّين لإستقلاله الأوّل عن فرنسا في ظلّ رئيس شرعيّ للجمهوريّة. يحييه أيضاً ولأوّل مرّة في ظلّ "الوحدة الوطنية" على أساس "الثلث الضامن – المعطّل".

لقد مُنع اللبنانيون من الإحياء الطبيعيّ لهذه الذكرى طيلة أربع سنوات متتالية.
في 22 تشرين الثاني 2004 أحيت الشبيبة الجامعية المناسبة رافعة القرار 1559 شعاراً وطنيّاً بإمتياز في وجه التمديد المشؤوم. كانت واحدة من بدايات "ثورة الأرز".

وفي 22 تشرين الثاني 2005 أحيا شعب 14 آذار العيد ودماء الشهداء الذين قتلوا غدراً وغيلة لم تجفّ بعد والتخوين الذي مورس ضدّهم ظلّ يتصاعد بعد استشهادهم، فيحاول الطرف المتّهم سياسياً وصاحب السيرة الذاتية الإجرامية بإمتياز أن يوفّق ما بين زيادة منسوب التخوين لديه وبين إصراره على التبرّؤ الكلاميّ من جرائم ينفي مسؤوليته عنها في جانب ويتباهى بها في جانب آخر وعلى رؤوس الأشهاد.

لكن يومها ومع كثرة الدم الذي أريق سرت نسمة تفاؤل بدأت مع إعتقال "الأربعة" وبلغت الأوج مع إذاعة "تقرير ميليس". ومع تلاشي آخر علامات "التحالف الرباعي" أتيح للتحالف الإستقلالي أن يعيد ترميم بيته المشترك في حين إجتمعت الحركات والظواهر المعترضة بشكل أو بآخر على إتفاق الطائف، والموالية للأنظمة "الممانعة" إقليمياً في تحالف مضاد للإستقلال الثاني، إما لإعتباره منجزاً تماماً ولا لزوم لإستكمال تحقيقه (نسخة عون) وإما للتشكيك فيه من أصل (نسخة 8 آذار).

وفي العام التالي، 2006 أحيا الجيش اللبناني ذكرى الإستقلال وهو ينتشر لأوّل مرة جنوب الليطاني، لكن البلد الخارج من أتون حرب تمّوز لم يمنح الفرصة لقيام لجنة تحقيق، لجنة كان من شأنها أن تستكمل طاولة الحوار الأولى. جرى اعتبار عدوان تمّوز حلقة من حرب أهلية، حلقة موصى بها من الداخل "المراهن" ضد الداخل الآخر "الصامد"، وصار من اللازم استكمال الحرب بقرار من قصر المهاجرين في دمشق بجولات استنزاف ضد حكومة فؤاد السنيورة الأولى وبحملات تعريض بالنظام الرسميّ العربيّ.

في 22 تشرين الثاني 2006 كانت حكومة الإستقلال الثاني تتحضّر لأن تصير بالفعل حكومة راشيا الثانية، وهو تشبيه زادت قوّته مع كل يوم إضافي للخيم الفارغة في وسط بيروت.

وهكذا ففي 22 تشرين الثاني 2007 جرى إحياء العيد بالإنحناء أمام تضحيات شهداء الجيش اللبناني المقتولين منهم والجرحى والشهداء الأحياء في موقعة نهر البارد، هؤلاء الذين تحدّوا بدمائهم الخطوط الحمر. لكن أيضاً جاءت المناسبة في ظلّ الحصار المطبق على قلب المدينة وعلى فكرة المدينة نفسها. ذلك في ظلّ مخاوف من فراغ دستوري، فراغ سرعان ما اصطدم اللبنانيون به بالفعل، في أعقاب النكث بوعود قطعت للبطريرك صفير بأن يسمّي لائحة مؤهّلين لتولّي رئاسة الجمهورية، وما جرى التقيّد بآلية التحكيم تلك.

بعد استعراض المنعرجات الأربع لهذه الذكرى في الأعوام الأخيرة يمكن بحق اعتبار مشهد إحياء عيد الإستقلال هذا العام برعاية رئيس للجمهورية وفي ظلّ الإنسجام المثالي بين الرئاسات الثلاث مشهداً يوحي بالتفاؤل. ويمكن زيادة منسوب التفاؤل لحظة الإستعراض العسكري لأن الجيش تمكّن خلال أعوام الأزمة من الحفاظ ليس فقط على وحدته، بل أيضاً على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية، رغم كل التحفّظ الوجيه حول أسلوب معالجة ما حصل في أيار الفائت، وهو أمر كان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان سباقاً إلى التطرّق إليه في خطاب القسم.

أحد أوجه التفاؤل هو أن التوجّه لتقوية قدرات القوات العسكرية اللبنانية ولإسهام الدول الكبرى، ليس فقط الولايات المتحدة بل أيضاً فرنسا وروسيا في هذا الجانب، إنما يأتي كمعطى جديد سيطرح نفسه بشكل أو بآخر على الحوار الداخلي بصدد المنظومة الدفاعية، ولعلّ خير تطوّر نوعيّ في هذا المجال أن يكون لهذا الجيش نواة أولى لسلاح جوّ متطوّر فضلاً عن فرق محترفة في مواجهة المنظمات الإرهابية وحيلها وأساليبها. لكن هنا أيضاً لا تتم عملية "التسليح" بشكل ميكانيكي، بل هي مسألة تفاعلية رهن بالقدرة على توظيف المساعدات في الإتجاه الصحيح بقصد كسب المزيد منها. كان ثمة خوف بالفعل من أن يأتي يوم 22 تشرين الثاني 2008 والتمديد أو الفراغ الدستوري لم ينتهيا بعد، بل صار الخوف في أيار الفائت من أن يأتي عيد الإستقلال والبلاد حطام على حطام بعد جولة أو جولتين من الحرب الأهلية.

التفاؤل حاضر إذاً بالمقارنة مع هذه المخاوف الكابوسية التي لم يجزها الواقع. مع ذلك فإن مساحة التفاؤل تظلّ متواضعة، وقلقة، وغير ذات مناعة، ومرهونة بالتقاطعات. لا أحد في استطاعته أن يتخيّل كيف سيحيي اللبنانيون عيد الإستقلال القادم.. بعد الإنتخابات النيابية.

لكن المشكلة ليست قائمة فقط في عدم القدرة على إستشراف المسارات. المشكلة هي أن "ثقافة الإستقلال الثاني" التي تمكنت أفكار ورؤى منها من أن تتحول إلى فقرات ولمحات في خطاب قسم الرئيس ميشال سليمان، بل وفي بروتوكول العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، إنما هي ثقافة تواجه إما بـ"ثقافة التحايل على الإستقلال" وإما بـ"ثقافة الجحود بالكيان اللبناني من أساس".

لم يسبق أن تآخى همّ الإستقلال مع همّ الإستقرار عند القسم الأكبر من اللبنانيين كما هو الحال اليوم، لكن لم يسبق أيضاً أن تداخلت النزعات إلى رفض اتفاق الطائف مع النزعات إلى رفض الكيان اللبناني بحدّ ذاته كما هي الحال اليوم.

فهل صحيح أن الإنتخابات هي الفيصل؟ وهل أن الإنتخابات هي أصلاً الوسيلة التي يحتكم إليها عندما يكون الفارق في الإلتزام الكياني كما في الإلتزام الدستوري كبيراً إلى هذه الدرجة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل