استقلال خارج دائرة علامات الاستفهام
ما من دولة في العالم، لم يدفع شعبها ثمنا معينا من أجل انتزاع استقلاله، او من اجل المحافظة على هذا الاستقلال، او من اجل استرجاع استقلال، عملت قوى خارجية على إسقاطه وتضييعه، حتى ان بريطانيا التي وصفت يوما «بالامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» والتي لا تحتفل بعيد الاستقلال لأنها لم تسقط يوما في قبضة اي دولة اجنبية، دفعت ثمنا غاليا في الحرب العالمية الثانية لتبقى بعيدة عن الاحتلال الهتلري الذي تهددها في خلال اعوام عدة، ودمرت طائراته وصواريخه معظم العاصمة البريطانية لندن، فضلا عن سقوط مئات آلاف الضحايا من مدنيين وعسكريين.
وإذا كان لبنان لم يدفع في العام 1943 ثمنا كبيرا لانتزاع استقلاله من دولة فرنسا، إلا انه عاد في السنوات اللاحقة وخصوصا منذ نهايات اعوام الستينات من القرن الماضي، مرورا بحروب السبعينات والثمانينات، والتسعينات وحتى أيامنا هذه، ودفع ثمنا معضلا للغاية من دماء ابنائه المدنيين والعسكريين للمحافظة على هذا الاستقلال وعدم اضاعته حتى ولو كان مثخنا بالجراح، ومنقوصا وموضوعا في غرفة العناية الفائقة.
غدا السبت، 22 تشرين الثاني، يحتفل لبنان شعبا وقوى مسلحة بذكرى الاستقلال، وفي رصيده حجم كبير من الشهادات والتضحيات والعذابات، ما يجعله اهلا لمفاخرة العالم كله، بأن استقلاله ثمرة دماء ابنائه العسكريين والمدنيين، وهي ما زالت طرية ودافئة حتى الساعة، وان وطنا بهذا الحجم الجغرافي الصغير، ولكن بهذه التضحيات العملاقة، يمكن ان يكبو، ان يضعف، ان يثخن بالجراح، ولكنه ابدا لا يستسلم ولا يموت او يهون، ما دام جيشه، وقواه المسلحة الاخرى، متمسكة بشعارها المقدس: شرف، تضحية، وفاء، وما دامت قيادات من هذا الشعب المقاوم، قدمت وتقدم حياتها ودماءها ثمنا لبقاء لبنان سيدا، حرا، مستقلا.
استقلال هذه السنة، له طعم طيب، ووقع مختلف، فهو يأتي مكللا بغار انتصار الجيش على الارهاب والتآمر، وبغار الانتصار على الذات، بعيدا عن ضغوط الطائفية والمذهبية والفئوية والحزبية ويأتي ايضا حاملا معه رئيسا للجمهورية، يمسك بيد، بندقية في وجه اعداء لبنان، وفي اليد الاخرى، غصن زيتون لأبناء وطنه وجلدته، ان تعالوا الى الوفاق والحوار، ونبذ العنف، والى بناء الوطن والدولة، بعدها خشي اللبنانيون لفترة، ليست بالقصيرة، ان تضيع رئاسة الجمهورية ويضيع معها لبنان لولا اتفاق الدوحة الانقاذي.
اما بالنسبة لقائد الجيش الجديد، الذي اقسم ووعد بأن يكون الجيش فوق الاحزاب والتيارات والخلافات، وان له رب عمل واحد، هو لبنان، وان الاقتتال الداخلي ممنوع، وان الجيش أمانة في عنقه، عددا وعدة وتجهيزا وهيبة وان دماء ضباطه وجنوده التي اريقت على مساحة الوطن كله، ستكون دائما المشعل الذي ينير دربه وعمله، فإن له ايضا في استقلال هذه السنة، وقعا ايجابيا مختلفا، كوقع صوت طائرة الهوكر هنتر التي اعادت الى اللبنانيين، على الرغم من شيخوختها، ذكريات الشعور بالعزة والفخر والعنفوان التي كان يجسدها هذا السلاح في السنوات الماضية.
* * *
في هذه الذكرى الغالية جدا، لا يمكن لأي لبناني، يتنفس حرية، ويعشق سيادة، ويتمسك باستقلال، سوى الانحناء باحترام واجلال، امام ارواح شهداء الجيش والقوى المسلحة الاخرى، وارواح شهداء ثورة الارز، وارواح المقاومين الابطال، وارواح المدنيين الابرياء، جنود الاستقلال المجهولين.
كل استقلال ولبنان بخير وسلام.
