مراعاة أعلى درجات العلم الجنائي في ملف "شيخ شباب ثورة الأرز"
تستدعي التنقيب عن أدلة ساطعة تسند الروايات المتوافرة
قراءة في نتائج التحقيق في ملف اغتيال بيار الجميل
لو كانت الملفات التي تُعنى بشهداء "ثورة الأرز" تتكئ على الروايات الإتهامية، لكان يمكن القول ان قتلة الوزير الشهيد بيار الجميل باتوا معروفين واحدا واحدا، على مستويات الأمرة والتنفيذ والتحريض، ولكن بما أن هذه الملفات التي تخضع لأعلى معايير العدالة الجنائية بإشراف لجنة التحقيق الدولية، تتطلب مزاوجة القول بالدليل الناطق، فيمكن القول ان حقيقة اغتيال "شيخ شباب ثورة الأرز" لا تزال مجرد رواية أمنية… حتى إشعار آخر.
ثمة من يأمل أن يكون هذا "الإشعار الآخر" وشيكا، فالأجهزة الأمنية والقضاء اللبناني ولجنة التحقيق الدولية في انتظار التقرير الذي يفترض أن يصدر في مهلة أقصاها ثلاثة أسابيع عن مختبر هولندي، مهمته مقارنة الرصاصات التي اخترقت جسد الوزير الشهيد وسيارته في محلة نيو جديدة قبل سنتين بالبندقية التي عُثر عليها في منزل شقيقة عبد الغني جوهر في محلة المنكوبين في طرابلس.
ووفق المعلومات، فإن الموقوف إسحق السبسبي الذي استخدمه جوهر في وضع عبوة البحصاص، في أيلول الماضي، قال للمحققين عندما عرضوا عليه المضبوطات الخاصة بجوهر الفار من وجه العدالة، إن هذه البندقية قد جرى استعمالها في اغتيال الوزير الجميل.
وينقل السبسبي عن جوهر "فخره" برشاش "شتاير" المضبوط وينسب اليه قوله له: "بهذا الرشاش قُتل بيار الجميل".
عند هذا الحد تنتهي معلومات السبسبي عن جريمة الإغتيال التي جرى تنفيذها، على خلاف غيرها من الجرائم، بواسطة الرصاص.
هذا الرشاش تمّ تسليمه الى لجنة التحقيق الدولية التي تتولى بقرار من مجلس الأمن مساعدة القضاء اللبناني في جلاء حقيقة جريمة الجميل، وهي أرسلته الى هولندا، حيث على المختبر أن يجري مقارنة بين الرشاش وبين الرصاصات المضبوطة في مسرح الجريمة.
في حال أتت النتيجة إيجابية، فإن التحقيق يتسارع في اتجاه التوسع في المعلومات التي سبق للموقوف أحمد مرعي أن قدمها للتحقيق، عند توقيفه في الرابع والعشرين من أيار 2007، وفي حال أتى الجواب سلبيا تبقى القضية عالقة في نقطة وسطية بين الإقتناع الأمني وبين الحاجة القضائية الى أدلة ناطقة.
وسبق لأحمد سليمان مرعي أن أدلى بإفادة نقل فيها عن المدعو أبو يزن، وهو مساعد أبو مدين نائب العبسي الذي تمّ وصفه بأنه ضابط في المخابرات السورية، أن أبو مدين هو الذي طلب تنفيذ مجموعة من الجرائم بينها عين علق واغتيال الجميل وقد شارك في تنفيذ جريمة الإغتيال الى أبو يزن خمسة آخرون على رأسهم "أمير الإغتيال" أبو الشهيد.
ووفق المعلومات فإن غالبية أفراد المجموعة قتلوا في شارع المئتين أو في معارك نهر البارد، باستثناء إثنين، أحدهما مجهول المصير، وثانيهما هو أبو الشهيد الذي تجزم المعلومات بأنه خرج وشاكر العبسي من مخيم نهر البارد ولاحقا من مخيم البداوي الى سوريا.
وثمة مسؤولون مقتنعون جدا برواية أحمد مرعي لاعتبارات عدة أبرزها الآتي:
أولا، تحدث مرعي عن مجموعة من ستة أشخاص نفذت الجريمة، وقال كيف توزع هؤلاء في السيارتين اللتين نفذتا الجريمة، أي الأشخاص الأربعة الذين كانوا في سيارة هوندا "سي.في.آر" التي اغتالت الوزير الجميل، والشخصان اللذان كانا في سيارة الدعم والإستكشاف.
ثانيا، تحديد نقطة الإنطلاق من مخيم برج البراجنة.
ثالثا، قوله إن طلقا ناريا خرج من بندقية واستقر في سيارة الهوندا، بفعل إصطدام حصل في الطريق الذي سلكته المجموعة الإرهابية بعد تنفيذ الجريمة. كانت المجموعة في طريقها الى البقاع عبر أوتوستراد دار الصياد في الحازمية، وبمراجعة الملفات يتضح فعلا أن أحد المشايخ الدروز، ادّعى أنه في الساعة الرابعة من بعد ظهر الحادي والعشرين من تشرين الثاني 2006، كان يقود سيارته والى جانبه زوجته، فضربته سيارة كانت مسرعة ترافقها سيارة ثانية، مما أدى الى كسر مرآة سيارته. وقد عُثر على هذه المرآة في المستودعات التابعة للمحكمة العسكرية، وهي موجودة في لجنة التحقيق حيث خضعت للتحليل الجنائي، الذي كان السبب في نفي صلة سيارة هوندا "سي.في آر" عُثر عليها قبل أشهر، بالجريمة، بعد الإشتباه بها.
رابعا: تمّ بنتيجة أقوال مرعي وضع أشكال تقريبية (صورة "روبو") للجناة، وقد تطابق مع الأشكال التي تمّ وضعها سابقا بالإستناد الى شهود العيان في جريمة اغتيال الوزير الجميل.
خامسا، لقد ضبطت من شقة أبو الشهيد ثلاثة أقراص مدمجة، الأول يحتوي على فيلم لتنفيذ أبو الشهيد، بالطريقة نفسها التي اغتيل فيها الوزير الجميل، جريمة اغتيال محافظ بغداد، والثاني يتضمن أيضا فيلما لأبي الشهيد، وهو ينفذ بالطريقة نفسها، جريمة اغتيال ضابط شرطة عراقي، أما الثالث، فيتضمّن تمارين على تنفيذ عملية الإغتيال.
ولكن، في المفهوم الجنائي العدلي، كل هذه الامور لا تستقيم بل تحتاج الى أدلة.
بعودة سريعة الى الوراء وبمقارنة الحالة الراهنة لملف الشهيد بيار الجميل بملفات كثيرة سبق للقضاء اللبناني أن بتّ بها، يتضح أن قضايا كثيرة أحيلت على المحاكم، لم تكن أقوى من هذه القضية، فلا ملف إغتيال الديبلوماسي الأردني نائب عمران المعايطة كان يقوم على أدلة "أسطع"، ولا الملفات التي صدرت فيها أحكام على قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع كانت أمتن، بل العكس هو الصحيح.
تهاوي ادعاءات جميل السيد
ولا تدعو هذه المقارنة الى الإكتفاء بما هو متوافر في ملف الوزير الشهيد بيار الجميل مطلقا، إنما يتم تقديمها كنموذج معروفة تفاصيله عن الأسلوب الجنائي الراقي الذي تبحث فيه العدالة عن قتلة نخبة رائدة من القيادات اللبنانية، يتقدمها بطبيعة الحال، ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ولعلّ التطرق الى هذا الموضوع، بعد ذكر واحدة من إفادات كثيرة أدلى بها أحمد مرعي، يسمح بفتح هلالين، حول انهيار صدقية المسار الدفاعي الذي سلكه اللواء الموقوف جميل السيد، فقبل أيام نشر فريق الدفاع عن السيد مضمون رسالة وجهها الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيس مجلس الأمن وأعضائه يطالبهم فيها بالضغط على رئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بلمار لإصدار توصية مناقضة للتوصية التي سبق وأصدرها رئيس لجنة التحقيق الأول ديتليف ميليس.
في هذه الرسالة إعتراف صريح من فريق الدفاع عن السيّد أنه مارس التضليل في ادّعاءاته السابقة حين كان يشير الى أن القاضي سيرج براميرتز وبعده القاضي دانيال بلمار طلبا من القضاء إسقاط توصية ميليس.