حتى لا يضيع الاستقلال الثاني ولا نفقد بيار مرتين
تحلّ ذكرى الاستقلال هذه السنة في مرحلة شديدة الصعوبة، اذ لم تحسم حتى الآن المفاضلة بين خيارين في لبنان. فإذا كان الاستقلال الاول عام 1943 بميثاقه الوطني قد رسخ فكرة الكيان اللبناني، فإن الاستقلال الثاني عام 2005 قد ثبت فكرة الاستقلال في اذهان اللبنانيين بدفعه الوصاية الاحتلالية الى الخروج، اقله من الناحية النظامية. وهذا في ذاته يمثل مكسبا كيانيا ضخما، لكون نظام الوصاية الاحتلالية كان اوشك ان يذوب الكيان عبر شطب المؤسسات، والرموز، وبناء نظام امني – سياسي مستنسخ عن النظام في سوريا، ولو لم يدفعه اللبنانيون ومعهم المجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي خارجا، كان سينتهي الى ابتلاع البلاد مستكملا بناء ذلك "السجن العربي الكبير" على ما وصفه كمال جنبلاط قبل اكثر من ثلاثة عقود !
كثيرون هم اللبنانيون الذين يعتبرون ان الاستقلال الحقيقي هو ذلك الذي تحقق عام 2005، لانه اتى مخضبا بدماء الاستقلاليين، وفي مقدمهم رفيق الحريري. وكثيرون اعتبروا ان الاستقلال الاول عام 1943 بني على "التكاذب" بين المسلمين والمسيحيين. اما نحن فنعتقد ان الاستقلال الاول، على الرغم من انه لم يؤد الى بناء الدولة، وفشل في بناء المواطنية اللبنانية، مما ادى الى نشوب "حرب الآخرين على ارضنا" عام 1975، فإنه نجح من حيث لم يدر اللبنانيون في زرع فكرة لبنان التعددي، المتنوع، الديموقراطي، والحر في نفوسهم. وقد بدا واضحا في المرحلة التي قادت الى انتفاضة الاستقلال عام 2005، ان اللبنانيين كانوا اكثر وحدة مما اعتقد كثيرون، وان الوصاية الاحتلالية، على نجاحها في التغلب على الارادات السياسية اللبنانية، وزرع الشقاق الداخلي لاكثر من ثلاثة عقود، لم تدرك قوة عنصر الوحدة التي كانت تصنع على مساحة لبنان. فبين ابن الاشرفية، وابن عرسال، على سبيل المثال، اكتشفنا في 2005 كيف سارت فكرة لبنانية استقلالية وشقت طريقها عبر سياجات صنعتها الوصاية، لتثور في لحظة تاريخية لم يفهمها النظام في سوريا، ولن يفهمها يوما. وهو الذي استعبدته اوهام العودة الى لبنان، والثأر من الاستقلال الثاني، تارة مباشرة، وطورا بلبنانيين مضللين لا بد ان يأتي يوم ويعودوا الى الطريق الاستقلالي الحقيقي.
اليوم تحل علينا ذكرى الاستقلال الاول، وفي قلوبنا نحن الذين عشنا الاستقلال الثاني، وعشنا تلك اللحظة التاريخية خشية ان تغلب الانقسامات التيار الاستقلالي فنخسر استقلالينا الاول والثاني، مرة على مذبح الخلاف حول الخيارات، ومرة اخرى على مذبح الخلافات ضمن الخيار الواحد.
ان المطلوب من القيادات الاستقلالية ان ترتقي مرة جديدة الى مستوى الشعب الذي صنع 14 آذار، والمطلوب ان ترتقي الى مستوى شهدائنا الذين اضاءت دماؤهم شعلة الانتفاضة، فلا تسقط في فخ الخلافات حول الاحجام، والتوزيعات الانتخابية. فالمسار الاستقلالي طويل، والتحدي التاريخي كبير للغاية، وهو ان يختار اللبنانيون بين لبنان الكيان، والاستقلال والحريات، بين لبنان السجن، والتبعية للسجّان.
في ذكرى الاستقلال الاول، وذكرى الرئيس رينيه معوض، وذكرى عريس الشهداء بيار الجميل، مطلوب ان نحول دون اضاعة الاستقلال الثاني، والاّ نفقد بيار وكل الشهداء مرة ثانية!