الاستقلال الثاني…
كنت صغيراً يا إخوان، عندما رحت أسمع بالتواتر من هنا وهناك، أن الإستقلال اللبناني فريد من نوعه ولا مثيل له في أي دولة تشبهنا أو كانت كذلك. بمعنى أنه إستقلال تم بثمن بخس وكاد يكون هدية من الإنكليز أكثر من كونه نتاج نضال جيل إستقلالي لبناني حقيقي.
وكانت المقارنة، نتيجة لذلك الفهم وفي موازاته، تذهب باتجاه الإستقلال الجزائري مثلاً، أو تحديداً، حيث دفع الجزائريون أكثر من مليون شهيد ثمناً لإعلان دولتهم حرة من الاستعمار الفرنسي وهي مقارنة، لا رحمة فيها ولا توازن، لكنها كانت قائمة ومدعومة بطقس سياسي واجتماعي عنوانه الثورة الفلسطينية الباحثة عن وطنها وطبعاً كانت واحدة من متطلبات إعلان نوايا الالتزام بتلك الثورة، الافتراض بأن الدم وحده يحقق الأحلام الوطنية الكبرى، وأنه كلما كان الدم كثيراً كلما كبر المرتجى وتعزز.
أيام يا إخوان، طبعت بأجوائها ووقائعها أجيالاً بكاملها، وظللت في الخبايا معظم الأداء النضالي السلبي ضد "فكرة" وطننا لبنان والبحث في هذا المجال طويل جداً ومتشعب، وتدخل في تفاصيله المريرة، كل تجربة اليسار قبل الحرب وخلالها، وهي تجربة كانت موضع مراجعات شجاعة من قِبَل بعض أطرافها ومرتكبيها، ولكن بعد فوات الأوان وخراب البصرة وبيروت وقيامة الدنيا وقعودها.
كان إستقلالاً حقيقياً فعلياً ناجزاً بغض النظر عن أثمانه، ولم ينتبه كثيرون الى ذلك. وكان وطناً حقيقياً سيداً مستقلاً (رغم بعض الهوامش المضحكة مقارنة بما حصل لاحقاً) ولم ينتبه كثيرون الى ذلك، الى أن ضاع لبنان، وضاعت مقوماته وتشرشحت مؤسساته، وتخلّعت أبوابه ونوافذه وجدرانه وأعمدته من أساساتها، وراحت فكرة الوطن ـ الدولة الجامعة في غيبوبة عميقة داخل كهوف الطوائف والمذاهب والمشاريع والرؤى والحسابات والحساسيات.
مرحلة طويلة كان الدم (المرتجى سابقاً) مدراراً حتى فاض وطاف وطفح وغطى البلد وأهله من أوله الى آخره، لكن برغم ذلك لم يأتِ الإستقلال بل ذهب أبعد من النقطة النائية التي كان فيها خلال الحرب، وتبيّن بالملموس لاحقاً، أن منقذي لبنان المفترضين في معركة بقائه هم أنفسهم الذين كانوا يعدون له عدة حرب فنائه وإلغائه. وأن الخطر الوجودي الفعلي الملموس والمحسوس يأتي إليه من خزنة نظام الشقيقة المفترضة قبل غيرها، وبتمرّس وحِرَفيّة و"نَفَس طويل" وفق مسار استراتيجي واضح لا يجاريها في ثباته أي طرف آخر..
كان ذلك يا إخوان، حتى عشية بزوغ فجر الإستقلال الثاني. وكان ذلك قبل أن يأتي دم رفيق الحريري ويرسم خارطة الوطن المرتجى مرة أخرى، وقبل أن تأتي بعده دماء رفاقه في ثورة الأرز لتكمل تنقيط تلك الخارطة، وتحدد إشارات المرور على الطريق نحو قيامة الدولة السيّدة على أرضها، المستقلّة في قرارها، الحرّة في خياراتها، الأبية في مسارها، الرافعة رأسها كالأرز والزمان، المناطحة الجبال والوديان والصعاب والإرهاب، المُعلية هامة الوطن فوق رؤوس أعدائه، أياً كانوا، وبأي رداء بانوا، وتحت أي راية وقفوا واستكانوا.
وطن الأرز، وطن رفيق الحريري ورفاقه الأبطال الصناديد والأفذاذ، المكتوبة حروفه بالدم، والمبنيّة أعمدته بأرواح شهدائه. وطن الإستقلال الناجز الثاني والأخير معاً نبقى، وتبقى الى الأبد.