الخيط الرفيع بين الجنون والشجاعة
ليس غريبًا أن يعرض الجميع لما يجول في خاطرهم من أفكار في شأن الاستراتيجية الواجب اعتمادها لتحقيق الدفاع عن لبنان ومنع الاعتداءات عليه من أي جهة أتت. وليس غريبًا أيضًا ان يدلي كل فريقٍ بدلوه في هذا المجال ـ رغم التفاوت الحاصل في محتويات كل دلو ـ فقضية الدفاع عن الوطن همٌّ وطنيٌ جامع، وليست مسألة تخصّ فئةً من اللبنانيين دون سواها. وفي هذا الإطار يمكن القول إن الطروحات المختلفة في مجال الاستراتيجية الدفاعية للبنان لا يمكن قراءتها إلا من باب محاولة الإسهام في وضع حلٍ لقضية وطنية كبرى تتطلب تضافر جهود الجميع وتعاونهم وتمازج أفكارهم، إلا إذا…. فمسألة الدفاع عن الوطن، ورغم كونها شأنًا عسكريًا تقنيًا في معظم جوانبها، لكنّها لا تستقيم بطبيعة الحال إلا بتوافر الغطاء السياسي لها وبتمتعها بمظلة وطنية يوفّرها لها التوافق العام بين مختلف مكونات الوطن على اعتبارها الأسلم لتحقيق الدفاع عن لبنان والأفضل لناحية تأكيد قيام الدولة وفرض سلطتها الوحيدة، لا تعليق قيام هذه الدولة أو تقويضها تحت مسميات الدفاع عن الوطن.
وبين الشجاعة والتضحية والاستعداد الدائم والشامل للدفاع عن أرض لبنان وبحره وسمائه، وبين الجنون والانتحار خيط رفيع. وإذ تتطلب الاستراتيجة الدفاعية في ما تتطلبه وعيًا دقيقًا لتكوين المجتمع اللبناني وبنيته وتركيبته الطائفية ودرس عناصر قوته ومكامن الضعف فيه، فإن طرح فكرة الشعب المقاوم (المولودة أصلاً في نفوس اللبنانيين الذين يأبون الضيم والظلم والاحتلال على أنواعه) لا تتطلب نشر السلاح وتوزيعه على الشعب ولو بدافع النية الحسنة. فالداء الذي عانى منه لبنان ومنع قيامه ونهضته منذ أمد بعيد، كان ولا يزال متمثلاً بانتشار السلاح بين فئات متعددة من الشعب اللبناني أو المقيمين على الأراضي اللبنانية على نحو خارج عن القانون والسيطرة وعن كل اشكال مؤسسات الدولة. فهل مطلوب اليوم مداواة لبنان وحياكة استراتيجيته الدفاعية على قاعدة "داوني بالتي كانت هي الداء"؟ وهل أصبح نشر السلاح بين المواطنين (ولو بغرض تأمين الدفاع عن الثغور) أمرًا أساسيًا في قيام الدولة القادرة، وليس حجر العثرة الذي يؤخر قيامها ويجعل منه أمرًا شبه مستحيل؟
ليست المشكلة في طرح توزيع السلاح على الشعب فحسب، بل إنها تتخطى ذلك إلى الجهة التي اطلقت هذا الشعار، وهي التي دأبت منذ العام 1988 على قضّ مضاجع اللبنانيين وهزّ أبدانهم وإشعال الحروب فيما بينهم بحجة منع انتشار السلاح خارج إطار الشرعية، وتحت عناوين سيادية كبيرة. فهل نسي ذاك الذي طالب بتوزيع السلاح "يمنةً ويسرة" أم تناسى حروبه التي شنّها "يميناً وشمالاً" بهدف توحيد السلاح لا تعميمه؟ أم كانت تلك الحروب نزوات في لحظات مجنونة تحت مسميات توحيد البندقية وتحرير الأرض، فيما اليوم يتم التعبير عن هذه النزوات بشعارات جديدة ليس آخرها جنوناً تعميم ثقافة انتشار السلاح بما يتلاءم مع مقتضيات الموقع السياسي الجديد الذي أصبح فيه مطلقها.
بين تأمين الدفاع عن لبنان عبر حصر قرار الحرب والسلم وأمرة السلاح بيد الدولة ومؤسساتها فقط وتعزيز الجيش اللبناني وتدعيمه بشتى أنواع السلاح وتقسيمه إلى أفواج مقاتلة على النحو الذي تعمل فيه المقاومة حاليًا مع الاستفادة من خبرات المقاومة وعدتها وعديدها، وبين محاولات تقويض الوطن من الداخل عبر تسيلم الناس أداة تقاتلهم، فرقٌ شاسع. فطرح توزيع السلاح على فئات الشعب يتعدى مسألة إفشال الاستراتيجية الدفاعية ليصل في سلبياته القاتلة مدىً أبعد يهدد بنية الكيان اللبناني برمته. هنا تكمن المفارقة والغرابة، هنا الخيط الأحمر الرفيع "The Thin Red Line" بين الجنون والشجاعة في الدفاع.