14 آذار من مقلبين
لم يعد خافيا ان ترتيب الاوراق المسيحية داخل فريق 14 آذار لا يقل اهمية وخطورة عن موجبات المعركة السياسية والانتخابية المفتوحة بين مجمل اطراف هذا الفريق وخصومه، حتى ليمكن اعتبار المسألة التنظيمية لدى الغالبية في ما تبقى من مهلة قبل الانتخابات اختيارا حاسما بكل المعايير.
واذ تأتي المواعيد المتعاقبة لذكرى 22 تشرين الثاني واستشهاد الوزير والنائب بيار الجميل ومن ثم ذكرى استشهاد النائب جبران تويني، وكذلك اللواء فرنسوا الحاج ولو من موقعه العسكري خارج اي فرز سياسي في لحظة صعود معركة الخيارات السياسية والوطنية الى ذروة غير مسبوقة على ابواب الاستعدادات الانتخابية، تجد قوى 14 آذار نفسها امام ساعة الحقيقة التي لا تحتمل اي خطأ او استهانة بما يتربص بها، انْ على مستوى مركبات ضعف لديها او حيال خطط خصومها في الاطارين المحلي والاقليمي.
وواقع الحال ان قوى 14 آذار لا تزال تملك نقطة قوة اساسية في الموقع المبدئي الصرف ما دامت لم تتزحزح عن الخط السيادي الاستقلالي الذي تأتي مناسبات احياء ذكرى شهدائها الواحد تلو الآخر لتثبته بما لا يمكن اي طرف خصم لها ان يبدل حقائقه ووقائعه الدراماتيكية مهما بلغت اللعبة الدعائية ومناوراتها تفنناً وتشاطراً. وحتى في اندراجها ضمن تسوية الدوحة وموجباتها الخارجة عن كل النظم الدستورية الجادة واصولها، فان قوى الغالبية اثبتت في الاشهر الستة المنصرمة من ولاية العهد انها محضت رئيس الجمهورية الهامش الاوسع والثقة الاكبر ان في تحكيمه سياسات وسطية ومتوازنة ومعتدلة في الداخل، او في إمساكه العصا من وسطها ايضا في الاقلاع بصفحة اعادة تطبيع العلاقات مع سوريا. فلا هي تسببت له بانتكاسة في اي شأن داخلي ولا عمدت الى تجاوزه شكلا او مضمونا وإضعافه في ملف العلاقات مع سوريا.
بذلك تخطّ هذه القوى نهجا سيادياً ومبدئياً وواقعياً ودستورياً في آن واحد في مسيرتها نحو الانتخابات يلزمها في المقابل الالتفات بقوة استثنائية الى المسألة التنظيمية داخل صفوفها، والا لتعرضت كل مسيرتها لخطر التقويض.
لا تثار هذه المسألة من واقع ذكرى الشهداء وتزامنها مع بدايات المعركة الانتخابية فحسب، بل ايضا من واقع إقبال القوى المسيحية تحديدا على احتدام سياسي وانتخابي ونفسي قد لا يكون مسبوقا في حدته ما دام الاستحقاق الانتخابي يصور للناس انه بات محصورا ضمن البيئة المسيحية وتلاوينها المتناقضة والمتصارعة بالاصالة عن المسيحيين وبالوكالة عن سائر سركائهم. مرت قوى 14 آذار في السابق باختبارات تنظيمية داخلية متصلة باستحقاقات سياسية عكست ضعفا بنيوياً لديها لم يكن فيه الاداء السياسي على المستوى المبدئي الذي ترفع لواءه هذه القوى. وشكل ذلك نقطة رهان اساسية لدى الكثير من قوى المعارضة و8 آذار والقوى الاقليمية الحليفة على انفراط عقد فريق الغالبية وتداعيه تحت وطأة الحسابات المصلحية الذاتية لكل من اطرافه في المعركة الانتخابية المقبلة. وتتجمع هذه الرهانات بطبيعة الحال عند القوى المسيحية في فريق الغالبية اكثر من سواها، مثلما تشكل سياسات العماد ميشال عون نقطة رهان الغالبية على إضعاف الغطاء المسيحي لقوى 8 آذار والمعارضة والقوى الاقليمية المتحالفة معها ورهانها على تقويض الغالبية وكسب الانتخابات. ويذهب العماد عون الآن الى ذروة خياره الجديد وسياساته الجديدة في التمهيد لزيارته سوريا، فيما تذهب الغالبية إلى ذروة معاكسة في الصراع معه.
هذه "المادة" الملتهبة ستضع العماد عون امام محك خطير في مواجهة المسألة المبدئية التي تشكل نقطة قوة للغالبية. ولكن ذلك لا يعفي القوى المسيحية في فريق 14 آذار من استحقاق اشد خطورة هو تقديم مشهد متماسك قريبا في لائحة انتخابية للغالبية لا مكان فيها لحروب صغيرة بين هذه القوى.