أسنان…
… ثم جاءت الانتخابات النقابية الفرعية بالأمس لتدخل في السياق ذاته، الذي كان قائماً قبل 7 أيار، واستمر بعدها وإن بتقطع. والذي يؤشر في مجمله ومؤداه الى أن المجتمع المدني اللبناني بخير، وأن مؤسساته قائمة ومستمرة، وأن عمليات التزوير المتعدّدة والكثيرة لم تشوّه توجهاته وخياراته وقراراته، وأن تلك تغنّي على وقع نغمات ثورة الأرز، وترنيمات السيادة بمعناها المضاد للتبعية والوصاية، والحرية بمعناها المضاد للاستعباد والاستغشام، والاستقلال بمعناه المضاد للاحتلال وأذنابه…
وهي وإن كانت انتخابات فرعية في نقابة الأسنان، بعد تلك التي جرت في نقابة المحامين، فإنها في واقع الأمر والنهي، والحال والأحوال، بالغة الدلالات وكثيفة الاشارات. ولم تأتِ من خارج مسار الناس، ولا سقطت فجأة في خضم سياسي آخر، بل هي من جديد، تقول بالصوت الملآن والرنّان، وبوقع يشبه وقع الجلاّب على الحلق، في عز شهر آب اللهّاب، ان استطلاعات الرأي العام، وحملات قياس توجهاته وخياراته، ليست سوى ممارسة متواضعة، منفوخة إعلامياً، ومزوّرة إذا ادعت التعميم، أمام سلسلة امتحانات صغيرة فعلية، كالانتخابات النقابية تُظهر وتلخّص نتائجها من الآن، نتيجة الامتحان الانتخابي التشريعي الأكبر الآتي بعد شهور.
كثيرون يعرفون ذلك، ومن ضمن هؤلاء، "الأخوة" في قوى الممانعة عموماً، والاختصاصيون المركزيون في فنون التزوير والتمويه والتورية والتشبيه والتشويه خصوصاً… ولذلك يصبح الهرب من أي استحقاق انتخابي نقابي مماثل، أمراً مفهوماً، لكنه بالتأكيد ليس مبرراً. وإذا صدقنا (وهذه هواية إجبارية)، ان الانتخابات هي الاداء المميز الأكثر تعبيراً عن أصول النظم الديموقراطية، والطريق الوحيد للإمساك برقابها وعنانها، فإننا ننسى (وهذه بدورها هواية إجبارية شائعة)، ان الأمر بالنسبة الى الطرف الآخر وسيلة متأرجحة، ترتفع وتصير مقبولة إذا أدت الى سيادة رأيه وتوجهاته وسياساته، وتهبط وتتعطل إذا أفضت الحسابات والأرقام الى عكس ذلك أي الى خدمة قوى الرابع عشر من آذار وسياساتها وتوجهاتها.
…ثم تصطك الأسنان يا إخوان، عند الذي يرى ان هذه الكأس المرّة والباردة المسماة انتخابات، لا بد من شربها، وان التزوير لم ينفع سابقاً، ولا ينفع راهناً، ولن ينفع في المستقبل، وأن الأمر ليس في اليد وحدها كي تكسره بالسلاح والاعلام والشارع، وان لبنان هذا عصيّ فعلاً على الكسر والبلع والهضم، وان أهله قطعوا مرحلة الفطام وصاروا يعرفون ان الصوت والصورة والصندوق الانتخابي أقوى حقاً وفعلاً من التزوير وآلياته وتحالفاته داخل الحدود وخارجها.