موقف بري غطاء سياسي للدولة والجيش أمام أسلوب جراحي
عين الحلوة تبرز "الإقليمي" و"الفلسطيني" في تعقيدات ملف المخيمات
برزت اطلالة الرئيس نبيه بري الاخيرة في موضوع المخيمات الفلسطينية وتساؤله عن "تحول المخيمات معجنا للفتنة وهدفا للارهاب بعدما كانت معجنا للمقاومة"، كما قال، نقطة لافتة في سياق ما تواجهه الدولة اللبنانية في موضوع مخيم عين الحلوة. ورأى متابعون ان هذا الموقف يشكل غطاء سياسيا لجهود الدولة واجراءاتها من جهة ويحصر المشكلة في المخيمات من جهة اخرى ولا يعممها على الجنوب او على محيطها في حال مخيم عين الحلوة، على ما فعل كثيرون في المعارضة في حوادث نهر البارد بتعميم الحال الخارجة على القانون والمهددة للوضع هناك على الشمال كله وليس على المخيمات الفلسطينية وحدها. واثار ذلك تساؤلا على الاثر عما اذا كان هذا الموقف، بما يعنيه موقع الرئيس بري الرسمي والحزبي، مقدمة لاجراءات او معالجة مرتقبة من الجيش، او اذا كان مؤشرا الى انزعاج ومخاوف من حال باتت مقلقة، علما ان لعين الحلوة وضعا مختلفا باعتبارها نقطة ثقل قريبة من القوة الدولية، والاهم اذا كان موقف بري يؤشر ايضا الى دعم اقليمي لمساعي الجيش لتوقيف المطلوبين هناك.
وواقع الامر ان الوضع الامني ككل يشكل اولوية في المتابعة السياسية والديبلوماسية في المرحلة الحالية قبيل الانتخابات النيابية، كما انه مصدر قلق من تطورات محتملة، علما ان غالبية المتابعين يرجحون بقاء الوضع الامني مراوحا بين التوتر المستمر الذي يبقي عدم الاستقرار مسيطرا وبين احتمالات التفجير، خصوصا ان حوادث تقع بين وقت وآخر تذكر بهذه المعطيات ومنها الحادث الاخير في التبانة، والاشكالات المستمرة في المخيمات الفلسطينية. ويبدو الوضع في المخيم ملحا لان الاشكالات فيه تكشف البعد الاقليمي لعدم استقرار الوضع وان كانت تسلط الضوء على السلاح داخل المخيمات وليس على السلاح خارجها بعدما كان الاخير هو المشكلة الاساسية التي اتفق الافرقاء على طاولة الحوار قبل عامين على ضرورة التوصل الى حل لها، خصوصا ان لهذا السلاح بعدا اقليميا معروفا. وقد بات داخل المخيمات والتنظيمات الناشئة فيها او اللاجئة اليها عامل تهديد حقيقيا للوضع خصوصا في مناطق وجود هذه المخيمات كما حصل بالنسبة الى مخيم نهر البارد، وليس واضحا ما اذا كانت هذه النقطة تحديدا، اي تحول الوضع الفلسطيني داخل المخيمات وليس خارجها محورا للاهتمام والمتابعة الشديدة عفوية او مقصودة. علما ان تطور الحال في المخيم اخيرا جرى على وقع تبادل اتهامات لبنانية داخلية واخرى اقليمية لم تنته مفاعيلها بعد.
ويبدو موضوع المخيمات مفتوحا على تعقيدات خطيرة قائمة يخشى معها كثيرون ان تفتح جرحا يتم توظيفه قبل الانتخابات النيابية المقبلة او خلالها، في وقت تنصب الجهود العسكرية والسياسية على التوصل الى حلول معقولة لا تذهب في هذا الاتجاه. فالمشكلة انه لا يمكن التمييز بين ما هو اقليمي في افتعال مشكلات في المخيمات وما هو فلسطيني – فلسطيني في الصراع على النفوذ والسلطة بين المنظمات الفلسطينية المتعددة، او بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" التي اثارت زيارة رئيس مكتبها السياسي المقيم في سوريا خالد مشعل للبنان ولقائه المسؤولين وادلائه بمواقف مثيرة للجدل اهتماماً خاصا، ولكن لم يتم التوقف عندها، وذلك قبيل افشال مساعي الحوار التي كانت تقوم بها مصر للتوفيق بين الطرفين.
كذلك لا يمكن فهم حقيقة ما يجري، على رغم ان لجوء كثير من المطلوبين والهاربين الى المخيمات يعود الى زمن طويل، لكن تفجر موضوع المخيمات في العامين الاخيرين يثير تساؤلات كثيرة عما اذا كان الموضوع بالنسبة الى مخيم عين الحلوة سياسيا أم أمنياً ايضا، علما ان للأزمة شقيها في ظل جهود سياسية ووساطات متوازية تبرز فيها على نحو خاص جهود الوزيرة بهية الحريري واخرى عسكرية من اجل تأمين اخراج المطلوبين من المخيم من دون جر المخيم ككل الى ازمة او مشكلة مع الدولة اللبنانية.
ومع ان المعطيات ترجح عدم تحول الوضع في عين الحلوة وضعا شبيها بنهر البارد في ضوء تعاط للجيش اللبناني مع ظروف مختلفة عن تلك التي حصلت في الشمال، فان التعامل الرسمي مع الموضوع يبدو على المحك اولا لانه يتعلق بحالات ارهابية وليس ٍبوضع استفزازي في المخيم او ما شابه ذلك. وتشكل مسألة او اسلوب التعاطي الجراحي للجيش مع انهاء ظاهرة التصقت ببعض المطلوبين الموجودين في المخيم اي موضوع الارهاب مسألة مهمة، خصوصا ان السلاح الذي يتم تأمينه للجيش انما يتم اساسا تحت هذا العنوان. ثم ان ثمة من يقول ان موضوع "فتح الاسلام" وبعدما تحول موضوعا اقليميا اتهمت سوريا برميه ايضا في احضان الاخرين على انه ارهاب ناشئ لدى الغير، ومن مصلحتها ان تظهر دعما في هذا الاتجاه تعزيزا لصدقيتها امام الداخل والخارج ايضا. لذلك يسود ترقب لكل المواقف والمعالجات في هذا الاطار، علما ان لا اوهام حيال امكان التوصل الى حلول لموضوع المخيمات كمشكلة قائمة في ذاتها، خصوصا ان وصول بنيامين نتنياهو المحتمل الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية بعد الانتخابات في شباط المقبل سيزيد الامور تعقيدا، لعدم تساهله المعروف في الموضوع الفلسطيني في الاراضي المحتلة.