Site icon Lebanese Forces Official Website

الإستقلال والوحدة الوطنية.. والشباب

الإستقلال والوحدة الوطنية.. والشباب!

عاد المشهد الاستقلالي الى سابق زخمه وحيويته الوطنية الجامعة، مع عودة أجواء الوفاق والوحدة الى مسيرة الدولة وصولاً الى الاستعراض العسكري التقليدي، الذي شارك فيه الرؤساء الثلاثة، محاطين بالفاعليات السياسية والوطنية التي تجسّد النسيج اللبناني·
وإذا كان تحقيق الاستقلال يتطلّب إرادة وتضحيات، فإن الحفاظ على الاستقلال، وبناء دولة الاستقلال، يحتاجان الى إيمان ورؤية تزرع الانتماء للوطن لا للدين أو المذهب، وتعزّز الولاء للدولة لا للطائفة أو العصبية الحزبية·

وأثبتت السنوات الخمس والستون، بكل ما حفلت به من تجارب ومحن، وبكل ما حملته من دروس وعِبر، أن شمس الاستقلال تغيب عند بروز نجم الاضطرابات الداخلية، التي غالباً ما تؤدي الى أفول أجواء الوحدة الوطنية نتيجة رياح الصراعات الإقليمية والدولية حولنا وعلى ساحتنا·

وأكدت تجارب الماضي، القريب منه والبعيد، أنه كلما اهتزت قواعد الوحدة الوطنية تهتز معها أسس الاستقلال وسلامته، وتصبح السيادة في خطر داهم·

·· وكلما حاولت طائفة أن تعتبر كيانها هو أكبر من الدولة أو أن تضع مصالحها فوق مصالح الوطن، يتعرّض الاستقلال للخطر، وتهتز قواعد دولة الاستقلال·

·· وكلما استعان طرف داخلي بجهات خارجية، إقليمية كانت أو دولية، أو استقوى بهذا الوجود العسكري على أرض الوطن، أو بذلك النفوذ السياسي على مواقع القرار الداخلي، تتعثّر مسيرة الاستقلال·· وتهوى السيادة·· وتتفكّك مؤسسات الدولة!

وأثبت مسلسل الأزمات المتكررة كل عقد ونيف من الزمن، أن الوحدة الداخلية هي عماد الاستقلال الحقيقي، وأن لا استقلال بلا الوحدة الوطنية التي يجب أن تُصهر كل اللبنانيين في بوتقة الدولة الشرعية، القوية والعادلة

· * * *

لن نخوض في تشريح الأحداث والإنقسامات التي تسبّبت في ضرب بنيان الوحدة الوطنية في أواخر الخمسينات، وفي أواسط السبعينات، وفي الثمانينات وصولاً الى تطورات السنتين الأخيرتين·

لا نريد أن ننكأ جراحاً يجب أن نعمل جميعاً على بلسمتها ومداواتها بما يعزّز المناعة الوطنية عند هبوب عواصف الخلافات الداخلية، فما يهمّنا هو التركيز على ما يُقارب ولا يُباعد، والبحث عما يُوحِّد ولا يُفرِّق!

ولكن لا التغنّي بالشعارات الرنّانة، ولا الترويج للمصالحات العابرة، وحده يكفي لصيانة الوحدة الوطنية وتفعيل مفاهيمها، إذا لم تقترن الأقوال بالأفعال، وإذا لم تصدق النوايا، وإذا لم تصفُ النفوس وتهدأ انفعالات الخواطر·

إن تعزيز مداميك الوحدة الوطنية كقاعدة أساسية من قواعد حماية استقلال الوطن، وكمنطلق لا غنى عنه لبناء الدولة القوية والعادلة، يقضي على جميع الأطراف السياسية احترام قواعد الممارسة الديمقراطية، والالتزام بجملة مبادئ وطنية وأخلاقية في العمل الوطني، نعدّد بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: الإعتراف بحق الآخر بالإختلاف، واعتبار تعدد الرؤى والمواقف من صلب العملية الديمقراطية التي يحرص عليها اللبنانيون·

ثانياً: إعتبار الحوار العقلاني والهادئ هو الطريق الأسلم والأنجع لمعالجة الخلافات السياسية منها والمصيرية، في حين أن حملات الردح والشحن والتوتير تؤدي الى تعقيد الخلافات، وتسميم العلاقات، وتوليد الأزمات·

ولعلّ تجربة طاولة الحوار الدليل الأقرب والأوضح على ضرورة الحفاظ على التشاور والتواصل بين القيادات المختلفة، لأن وقوع القطيعة بينها، كما حصل في الأشهر التي سبقت أحداث أيار الأسود، تؤدي الى أوخم العواقب·

ثالثا: الإلتزام بالبقاء تحت سقف الدولة والشرعية، والإقلاع عن محاولات الخروج عن سلطة الشرعية، أو العودة الى ممارسات التطاول على هيبة الدولة·

وتداعيات الأزمة الأخيرة أكّدت لكل الأطراف السياسية أن لا مصلحة لأي طرف منها بإسقاط هيبة الدولة، أو حتى تجاوز دور المؤسسات الأمنية الشرعية·

رابعاً: التعهّد بعدم اللجوء الى القوة لحل الخلافات السياسية الداخلية، لأن استخدام السلاح من أي طرف، سيجرّ الى تعميم استخدام الأسلحة من قبل الأطراف الأخرى، عوض التسليم بوجود الشرعية ومؤسساتها الأمنية كضامن أساسي ووحيد لأمن الجميع·

* * *

لا نبالغ إذا قلنا أن تعزيز الوحدة الوطنية وإشاعة أجواء الألفة والمحبة، والتسامح والتعاون بين أبناء الوطن الواحد، لا يؤدي الى تحصين الاستقلال وتصليب مناعته وحسب، بل ويفتح أبواب الأمن والاستقرار والازدهار على مصراعيها، ويُعيد، ولعلّ هذا الأهم، ثقة الشباب والأجيال الصاعدة بمستقبل الوطن، وبقدرة الدولة، ويضع حداً لهذا النزف الرهيب لهجرة الشباب والكوادر المؤهّلة الى الخارج·

ولقد عبّر الرئيس ميشال سليمان في رسالة الاستقلال التي توجّه بها الى الشباب بشكل خاص، عن قلق اللبنانيين، كل اللبنانيين عن اهتزاز ثقة أولادهم وأجيالهم الشابة بالوطن الذي افتقد ردحاً من الزمن الأمن والاستقرار، والذي خسر في السنوات الأخيرة طليعة شبابه المؤهلين لبناء دولة العدالة والحداثة، والإعداد للالتحاق بركاب العولمة الجديدة·

إن تعزيز إيمان الشباب بلبنان، <كبلد عيش مشترك وحوار وإخاء>، واعتبار <الحكمة والاعتدال هما وجه من وجوه البطولة> على حد كلام الرئيس سليمان، تبقى خطوة مهمة لاستقطاب الشباب <الى ورشة الإعمار والإنتقال من واقع السلطة الى واقع الدولة>··

ولكن حتى نفتح للشباب أبواب المشاركة في رسم المستقبل سواء عبر تبنّي الطاقات الشابة أولاً أو عبر تخفيض سن الانتخاب، وتسهيل وصول الأجيال الصاعدة الى صناديق الاقتراع للتعبير عن إرادتها، وتحديد خياراتها، بدل النزول الى الشوارع، أو انتهاك حرمة الجامعات عبر المواجهات الشبابية الحزبية المتنقلة هنا وهناك ومن ثمّ تعليمهم ثقافة المساءلة والمحاسبة بدل الهتافات الجوفاء والشعارات الغوغائية!

إذا كانت الوحدة الوطنية هي عماد الاستقلال الحقيقي فإن إيمان الشباب بالوطن ومستقبله يبقى هو الحصن المنيع لدولة الاستقلال!

Exit mobile version