استلحاق
كان لافتاً حضور حزب الله العرض العسكري الرمزي للجيش بمناسبة الاستقلال في ساحة الشهداء، وغيابه عن الاستقبال الرسمي الذي دعا اليه الرئيس ميشال سليمان في القصر الجمهوري!
كما استرعى الانتباه مجيء كتلة الوفا للمقاومة الى بعبدا امس الأحد للقيام بواجب كان مطلوباً يوم السبت، وبدا واضحاً ان حضور العرض العسكري للجيش والغياب عن الاستقبال الرئاسي في اليوم عينه، رسالة مشفرة، متصلة بمواقف رئاسية خارج المراد، كما ان استلحاق المناسبة بزيارة التهنئة أمس الاحد، أكثر قرباً من موجبات التمهيد للزيارة الرئاسية الى طهران اليوم، منها الى تصحيح خطأ حاصل…
الكثير مما يقال في هذه المواسم الانتخابية يغذي نزعة الناس للتحزب الأعمى عبر مبررات تلوي عنق الحقيقة، حتى ان البعض حولوا شعاراتهم وطروحاتهم الى رنة هاتف خليوي، كي يتسنى لهم الاستماع اليها والانسياق مع معانيها، كلما تلقى مخابرة…
الجهات الرسمية المتابعة رفضت التوقف امام أسباب الغياب ثم الحضور في اليوم التالي، بينما ترددت اوساط قريبة من الحزب في تسليط الضوء على ما حصل، عشية زيارة الرئيس سليمان الى طهران.
لكن مع تعاظم الاهتمام السياسي والدبلوماسي بالأمر، وحتى ذهاب البعض الى حد اعتبار غياب كتلة الحزب عن استقبال بعبدا (غمزة) ايرانية تستبق وصول الرئيس اللبناني الى طهران، على غرار ما تفعل عواصم اقليمية اخرى، انقشعت سحب الغموض، وردت مصادر متابعة ما حصل الى مؤتمر نيويورك لحوار الثقافات والأديان، حينما قرر الرئيس ميشال سليمان المشاركة رغم نصيحة الحزب التي نقلها الوزير محمد فنيش بعدم المشاركة، اعتبارا ان المؤتمر واجهة للتطبيع مع اسرائيل، لكن رئيس الجمهورية رأى ان المصلحة الوطنية العليا تحتم عودة لبنان الى المسرح الدولي وبالتالي توجب المشاركة بالمؤتمر الى جانب الدول العربية المعنية.
وتقول المصادر عينها، ان مطالبة الرئيس سليمان باختيار لبنان كمقر لمؤتمر الحوار بين الثقافات والأديان زاد الطين بلّة. ويضاف الى هذه المعطيات الحساسة، الحديث عن كتلة نيابية وسطية تحت مظلة رئيس الجمهورية، واعتقاد بعض قادة المعارضة ان هذه الكتلة ستأكل من صحن كتلة العماد ميشال عون، الحليف العزيز لحزب الله ومختلف أطراف 8 آذار، والذي زار طهران ويستعد لزيارة دمشق.
لكن المصادر المتابعة والقريبة من التطلعات الرئاسية، ترى أن الكتلة النيابية الوسطية ضرورية، وان الشعور بضروراتها يتنامى ويتسع نطاقاً يوماً بعد آخر، وان العديد من الشخصيات بات ميالاً للخط التوافقي الجديد. وقد أعطت مثالاً على ذلك الرئيس السابق نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، اضافة الى نواب حاليين وسابقين في مختلف الدوائر.
واستغربت المصادر التحية التي وجهها العماد ميشال عون الى الرئيس سليمان، أثناء العشاء الذي اقامه التيار الوطني الحر في عمشيت، بلدة الرئيس، و(كأنه رئيس دولة أجنبية يمرّ فوق أراضي دولة اخرى فيرسل له التحيّة برقياً من الطائرة!!..).
وفي رأي المصادر انه من غير المقبول قول العماد عون ان الرئاسة الأولى باتت في السراي الكبير، واصفاً ذلك (بالأمر المعيب) و(الإهانة المرفوضة) لمقام الرئاسة في وقت يحاول الرئيس سليمان، وبكل جهد، ان يعيد للرئاسة الاولى موقعها بما تبقى لها من صلاحيات…
يضاف الى ذلك عتب حزب الله على الرئيس سليمان لإشادته بموقف تيار المستقبل من موضوع (فتح الإسلام)، رغم انه استبق قوله هذا بالتنويه، مجدداً، بالدعم السوري للجيش في معركة نهر البارد… لكن توازن ووسطية سليمان، ليسا مطلوبين، كما يبدو، خصوصاً بعد تركيزه على استعجال تنفيذ التبادل الدبلوماسي مع سوريا وتشبّثه بمنطق الدولة والمؤسسات، وعدم تمسّكه ببقاء المجلس الأعلى اللبناني – السوري، اثناء مناقشة نتائج زيارة وزير الداخلية زياد بارود الى دمشق، فضلاً عن إصراره على ترسيم الحدود مع سوريا. وسوى ذلك من المسلّمات الوطنية…
أما عن التهنئة الاستلحاقية للرئيس سليمان فواضح انها مرتبطة بزيارته المقررة الى طهران اليوم، اذ من غير المعقول أو المقبول ايرانياً، على الأقل، مقاطعة حزب الله لمن سيكون ضيف الجمهورية الإسلامية اليوم، وسيلتقي مختلف مستويات القيادة الايرانية غداً…
البعض ظنّ في تصرّف الحزب موقفاً مرتبطاً ببرنامج مباحثات سليمان في طهران، حيث قد يكون هناك مطلوب، غير مرغوب هنا.
وعلى أي حال، واضح لكل مراقب أن لبنان بحاجة الى ظاهرة جديدة ملحة وذات مشروع مغاير واسلوب مغاير، ومع تتالي الأيام يتبيّن أن الرئيس سليمان، يجسّد حالة شهابية جديدة، تعتمد على المؤسسات في الداخل وعلى توازن العلاقات في الخارج، ومثل هذه الحالة، لا تتيح أخذ الوطن والدولة، لا بالحيلة ولا بالمسايرة ولا بالإغراء، ولا حتى بالترهيب…
وهنا بيت القصيد..