لا وطن من دون دولة تحميه
الاستشهاد في سبيل الوطن، بعيدا عن وجود دولة قوية تحمي الانسان والوطن، يبقى استشهادا ناقصا، وغير ذي مردود، ويدخل في خانة الاستشهاد التحفيزي لاستمرار النضال من أجل قيام دولة الوطن التي لها معاييرها ومفاهيمها ومؤسساتها وقواعد انهاضها وترسيخها، وبخلاف ذلك فان الوطن يبقى مجرّد قطعة أرض يتم التقاتل على إمتلاكها بين الطوائف والمذاهب والاحزاب، ويطمع بالاستيلاء عليها الأقربون والأبعدون، الذين كانوا منذ القدم، وما زالوا يفتشون عن أوطان سائبة من دون دولة ترعاها وتحميها.
وتشاء الصدف ان يشهد لبنان الوطن، الذي ما زال يفتش عن دولته القوية، ثلاث مناسبات يمكن تسميتها بالمناسبات الاستشهادية، الاولى ذكرى شهداء الوطن وشهداء القوات اللبنانية التي أحياها حزب القوات في المهرجان الضخم الذي أقيم في مجمع فؤاد شهاب الرياضي في جونيه، والثانية ذكرى استقلال لبنان وذكرى استشهاد المئات من ضباط وأفراد الجيش وقوى الأمن، في احتفال ساحة الشهداء، والثالثة ذكرى تأسيس حزب الكتائب اللبنانية، والذكرى الثانية لاستشهاد الوزير والنائب بيار أمين الجميل في احتفال الفوروم امس.
وتشاء الصدف ايضا ان الكلمات الرئيسية في المناسبات الثلاث، ركّزت في شكل خاص حول ضرورة وواجب وحتمية قيام الدولة القوية، العادلة الجامعة، الواحدة، انها هي السبيل الوحيد لحماية الوطن والكيان والعيش المشترك.
فالدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات، من اجل قيام الدولة وتحصينها قدّم اعتذاره، ومدّ يده، وجيّر كل شعبيته وقدراته لإنعاش الدولة بأوكسيجين الحياة، ورئيس البلاد العماد ميشال سليمان ركّز في شكل واضح وصريح، ومن دون لبس او تورية، على ان الحلّ هو في وجود الدولة، حيث القضاء النظيف العادل المترفّع هو السيد، وحيث المؤسسات العامة والخاصة والعاملون بها، فوق الشبهات وبعيدا عن الفساد، اما الشيخ أمين الجميل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية فقد أعلن على الملأ وبصوت عال انه لا يتمسك بأي صيغة، وان الباب مفتوح على الحوار والنقاش للتوافق على صيغة، تؤمّن قيام دولة تحمي وطن الـ 10452 كلم مربعا الذي حلم به شقيقه الرئيس الشهيد بشير الجميل.
ان قياديي 14 آذار، على ما يبدو من مواقفهم، متمسكون بقيام الدولة، لانهم يعرفون جيدا ان شهداءهم قدّموا أرواحهم من اجل تحقيق هذا الهدف، ويعرفون ايضا، ان ضعف الدولة وتفككها، واهتراءها واستضعافها، انما هي أمراض وعاهات ستصيب الوطن مباشرة وتهدد وجوده واستمراره، ولذلك تراهم، في مختلف تلاوينهم السياسية والدينية، وفي أدبياتهم الوطنية، يسعون دائما، ويفتشون عن حلول تصبّ في خانة حماية صحة الدولة، وهم في سبيل هذا الهدف السامي، قدموا الكثير من التنازلات الى خصومهم السياسيين.
على الرغم من الصدّ المتواصل لهؤلاء، واذا سأل سائل هل ان قوى 14 آذار هي وحدها التي تطالب بالدولة وتعمل من أجلها، فان الجواب هو ان قوى 8 آذار تريد ايضا الدولة، ولكن تريدها على صورتها هي ومثالها، ولا تريد ان يشاركها فيها مشارك او شريك، وهي لا تخفي هذا التوجّه ولا تخجل به، والبرهان على ذلك ان جميع قيادات 8 آذار، وجميع كتّابها وأقلامها ووسائلها الاعلامية تبشّر اللبنانيين ليلا ونهارا، وخصوصا جماهيرها «الغفورة» بأنها ستفوز فوزا مبيناً في الانتخابات النيابية المقبلة، وعندها ستبني الدولة على قياس اهداف 8 آذار واستراتيجيتها، حيث لا مكان ولا كلام ولا حول او قوّة لجماعة 14 آذار، وكل هذا الكلام موثق، ولا يستدعي سوى عودة سريعة للارشيف لتصريحات وبيانات و«نتعات» بعض قيادات الصف الأول في 8 آذار و معظم قيادات الصف الثاني، وإجماع عند الصف الثالث.
في النهاية، وقياسا على «أوطان» الصدفة في بعض دول افريقيا وآسيا واميركا الجنوبية، فان الواقع يؤكد ان لا وطن من دون دولة تحميه، ولا دولة دون جيش قوي، ومؤسسات قوية تحميها وتصونها.
انها معادلة المنطق والحقيقة، اذا كنا حقا نحترم هذين المقدسين.