#adsense

الأطماع السورية المستمرة بلبنان – الحلقة الثالثة

حجم الخط

الأطماع السورية المستمرة بلبنان – الحلقة الثالثة
المؤامرة السورية- الإسرائيلية على لبنان

يقول ستيفن كينغ هال ان الهدف من الحرب هو تغيير عقلية العدو. على هذا الأساس شنت مصر ومعها سوريا الحرب على اسرائيل في العام 1973 لإجبارها على العودة الى طاولة المفاوضات بعدما رفضت الأخيرة ذلك مراراً بعد انتصارها الكاسح في حرب 1967. وبفعل الدهاء الكيسنجري فإن نتائج المفاوضات التي أوجبتها تلك الحرب انعكست وبالاً على سوريا إذ أنها أسقطت منها ورقة استراتيجية إنهاك إسرائيل بالقتال على جبهتين أولاً وفكفكت الحلف السوري المصري الذي بدا هشّاً خلال الحرب مع تسابق الدولتين على طلب وقف إطلاق النار ثانياً. وفتحت طريق الحل المنفرد بين إسرائيل ومصرثالثاً، وآلت الى إخفاق سوريا في تغيير العقلية الإسرائيلية رابعاً لأن كيسنجر أهمل المسار السوري باعتبار أن الوصول لحل مع مصر كفيل لوحده بتقزيم الخطر السوري.

وهكذا عوض ان تدفع إسرائيل ثمنين، أمنت النفس بدفع ثمن واحد يكفي لشراء أمنين: واحد مع مصر بفعل اتفاقيتي فك اشتباك عبّدت الثانية فيهما طريق السلام. وواحد مع سوريا بفعل الأمر الواقع بعدما أصبحت بمواجهة إسرائيل لوحدها. عند ذلك أخذت سوريا تبحث عن طريقة لإفشال المحادثات المصرية الإسرائيلية وإذا فشلت في ذلك فعليها على الأقل أن تبحث عن طريقة لتعيد إدخال نفسها الى المعادلة الإقليمية.

هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة في تلك الحقبة، كان يهودياً متعاطفاً مع اسرائيل الى درجة إدّعاء أنه يعرف مصلحة إسرائيل أكثر من الإسرائيليين انفسهم .فاستحق أن يُطلق عليه ستانلي هوفمن لقب" أهم شخصية إسرائيلية".

في ربيع 1975 كان كيسنجر يقوم بجولات مكوكية من أجل اتفاقية فكّ الإشتباك الثانية في سيناء فاندلعت حرب مضبوطة في لبنان بتدبير سوري فلسطيني محلي مشترك للفت النظر الى الأوراق الأخرى التي تملكها سوريا في المنطقة. ولما لم يبالِ كيسنجر بسوريا وتوج ما فعله بعقد الإتفاقية المصرية الإسرائيلية انفجرت الحرب بعنف في لبنان لتحذير إسرائيل وأميركا من إن إقفال جبهة مصر سيقابله فتح جبهة لبنان على مصراعيها مع سيطرة اليسار والفلسطينيين على الدولة.

وهكذا اجبرت سوريا إسرائيل ومعها كيسنجر على إعادة حساباتهما بعدما كان الاخير قد اعتبر أن ما يحصل في لبنان هو شبيه لما حصل في العام 1973 وإن الستاتيكو المعمول به سيُحافظ عليه.

ولا شك في أن كيسنجر كان قد إطلع على تاريخ المنطقة وتعرف على زعمائها عن كثب خصوصاً حافظ الأسد إثر 136 ساعة من المحادثات المباشرة معه، ففهم ماهية الأطماع السورية في لبنان بداية ثم قارب تعامل سوريا اللامبالي تجاه ضمّ لواء الإسكندرون الى تركيا ثانياً (كان تعليق جميل مردم رئيس وزراء الحكومة الشامية على سلخ الإسكندرون عن سوريا في 23حزيران 1922 عجيباً غريباً إذ قال "ان نزع اللواء عن جسم الوطن هو خسارة لتركيا لأنه سيسبب لها المشاكل وليس خسارة لسوريا"). فاستنتج أن مسألة حرص الأسد على الجولان لا تنطلق من عصبية قومية ووطنية بالضرورة بل بدا له ان هذا الحرص براغماتي مرن يندرج في إطار الحصول على الممكن والسعي وراء الثمن. وهل ثمة ثمن يرضي سوريا أغلى من لبنان خصوصًا أن كيسنجر ذكر في مذكراته أن هدف حافظ الأسد هو سوريا الكبرى التي تضم لبنان والأردن وفلسطين وإن لم يتحقق هذا الهدف في حياته فسيجيّره الى خلفه.

وبالفعل بلّور كيسنجر فكرة جهنمية وعرضها على الإسرائيليين فحصل على موافقة رئيس الأركان الإسرائيلي موردخاي غور ورئيس المخابرات العسكرية شلومو غازيت على دخول سوريا الى لبنان وأقنعا بدورهما رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين بإن ما ستربحه سوريا لن تخسره إسرائيل بل على العكس فإن الثمن المقبوض سورياً سيترتب عنه إقفال جبهة أخرى بعد الجبهة المصرية (وهذا ما حصل فعلاً إذ أن جبهة الجولان لم تشهد طلقة واحدة منذ 32 عاماً).

عُرف التواطؤ السوري- الإسرائيلي على لبنان باتفاقية الخط الأحمر وقضت بأن تقبل إسرائيل بوجود قوات سورية في أجزاء من لبنان شرط ألا تجلب هذه القوات معها صواريخ "سام" الى الجنوب من طريق دمشق- بيروت وأن يكون الإنتشار السوري في البحر والجو محدوداً. بالمقابل تعيد سوريا الأمن الى المنطقة الحدودية الإسرائيلية وتمنح سلاح الجو الإسرائيلي حرية الحركة في أجواء لبنان. وبموجب هذا الإتفاق دخلت سوريا الى لبنان ابتداءً من 20 كانون الثاني 1976 (قبل دخولها الرسمي في حزيران بعد موافقة إسرائيل التي أتت في أيار) تحت ستار جيش التحرير الفلسطيني وصمّ العالم آذانه عن سماع صوت لبنان.

فحين أدلى وزير الداخلية اللبناني وقتها كميل شمعون بالتصريح التالي:" إن قوات من الجيش السوري قد دخلت الأراضي اللبنانية من المحورين الشمالي والشرقي للبقاع ومن جهة عكار وهي مجهزة بالأعتدة الثقيلة والمدافع والمصفحات. إني أطالب الصحافة العالمية بأن تتناول هذا الخبر وأن يثار لدى الرأي العام العالمي وداخل هيئة الامم المتحدة لأن هذا التدخل يهدد السلام العالمي"، ردّ البيت الأبيض إنه لا يملك أي تاكيد بأن قوات سورية دخلت لبنان في حين علّق مصدر حكومي إسرائيلي على ذلك بالقول:" ان قوات فلسطينية يراوح عددها بين 1500 الى 2000 جندي دخلت لبنان من سوريا لكن الزعماء المسيحيين في لبنان يبالغون في تضخيم التهديد، ويبدو استناداً الى معلوماتنا بأن ما يقوله وزير الداخلية اللبناني غير صحيح".

فيما بعد أكد تصريح للرئيس السوري نفسه أن ما قاله شمعون لم يكن تضخيماً إذ قال الأسد في خطابه الشهير على مدرج جامعة دمشق في سوريا في 20 تموز 1976: "سوريا ولبنان عبر التاريخ بلد واحد، وشعب واحد وهذا الامر يجب ان يدركه الجميع…

ومن اجل هذا قدمنا السلاح والذخائر، وقررنا ان ندخل تحت عنوان جيش التحرير الفلسطيني، وبدأ هذا الجيش بالدخول الى لبنان ولا احد يعرف هذا ابدا، لم نأخذ رأي الاحزاب الوطنية ولا غيرها ولم نأخذ أذنا من أحد …". يثبت هذا الكلام أنه ليس صحيحاً ما يروّج عن أن أقطاباً موارنة دعوا سوريا للدخول الى لبنان.

المراقب للمواقف يلاحظ كيف تحوّل الموقف الإسرائيلي من رافض مهدد الى مؤيّد. فبعدما كانت إسرائيل ترفض التدخل السوري في بداية الأزمة اللبنانية وتهدد بالتدخل إذا دخل الجيش السوري لبنان، وتشدد عبر وزير دفاعها بيريز إن أي تدخل سوري في لبنان لا يمكن أن يترك إسرائيل غير مبالية، تغير الموقف. فقال بيريز نفسه إن إسرائيل لم تقل أبداً إنها ستتدخل إذا تغير الوضع القائم في لبنان.

الموقف السوري أيضاً كان يتطور إيجاباً من إسرائيل. فنقل عن كمال جنبلاط إثر اجتماعه بالأسد في 27 آذار 1976 أن الأخير تضايق منه عندما اعلمه أن أي ضربة عسكرية إسرائيلية سيترتب عنها إعلان حرب شاملة عليها.

في 29 آذار وصلت الى مراجع سياسية لبنانية معلومات من باريس تفيد أن سوريا سألت فرنسا والولايات المتحدة عن ضمانة تسمح لها بإدخال جيشها الى لبنان لحل الأزمة من دون ان يؤدي ذلك الى تدخل عسكري إسرائيلي.

في هذا الوقت حاولت مصر القيام بمبادرة لحل الأزمة في لبنان واتهمت سوريا بالعمل على إذكاء الفتنة. وخرج السادات في خطابه الشهير يقول للسوريين :" إرفعوا أيديكم عن لبنان". فأتى الإعتراض على هذه المبادرة من الجانب الأميركي إذ قال الناطق بإسم الخارجية الأميركية:" إن الإتفاق السياسي الذي تم بالمساعدة السورية البناءة والذي تجسد في وقف إطلاق النار في 22 كانون الثاني 1976 يبدو لنا أنه يؤدي الى قاعدة عادلة لإيجاد مثل هذا الحل. إننا نؤمن بأن تدخلاً من اي فريق أخر يتضمن خطراً كبيراً يجب تجنبه".

صحيفة "هآرتس" بدورها ذكرت أن الملك الأردني الحسين قدم لإسرائيل في 11 نيسان 1976 تعهداً من الأسد بأن الجيش السوري لن ينتشر في جنوب لبنان ولن يقترب من حدود إسرائيل وأنه سيضبط كل المنظمات المسلحة الفلسطينية التي تفكر بضرب شمال إسرائيل. وتابعت قائلة إن إسحق رابين اعطى الى الملك حسين في 28 نيسان 1976 في رسالة لا زالت محفوظة في أرشيف رئاسة الوزراء في إسرائيل موافقته على دخول الجيش السوري الى لبنان. هذا الأمر اكده جدعون رفايل سفير إسرائيل في بريطانيا في 7 نيسان 1995.

في 12 نيسان 1976 قال وزير خارجية إسرائيل إيغال ألون في جلسة خاصة عقدها الكنيست أن السكوت من ذهب في ما يتعلق بلبنان.

بعد دخول القوات السورية في حزيران قال إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل إن أسرائيل لا تجد سببا يدعوها لمنع الجيش السوري من التوغل في لبنان فهذا الجيش يهاجم الفلسطينيين ويجب علينا ألا نزعج القوات السورية أثناء قتلها الفلسطينيين.

في 5 حزيران قال موشي دايان لوكالة الصحافة الفرنسية :"على إسرائيل أن تظل في موقف المراقب حتى لو غزت القوات السورية بيروت واخترقت الخط الأحمر لان الغزو السوري للبنان ليس عملاً موجهاً ضد دولة إسرائيل".

صفقة العام 1976 على لبنان كان مكتوب لها فقرة ختامية تقضي على أي أمل بتحرير لبنان في ما لو أبصرت النور إتفاقية شيبردستاون بين إسرائيل وسوريا في العام 2000 التي كانت ستفضي الى سلام بينهما على حساب لبنان بعد مفاوضات لم يكن لبنان حاضرا فيها بفعل نسيان سوريا لوحدة المسار والمصير التي يتحفنا بها مدعو العروبة في لبنان، وبفعل أن لبنان كان على مائدة المفاوضات طبقا رئيساً. فقد جاء في باب الترتيبات الأمنية: كل طرف يتعهد بالإمتناع عن التعاون مع أي طرف ثالث في ملف معاد ذي طبيعة عسكرية ويتأكد من أن أراضيه أو الأراضي التي يسيطر عليها لا تستعمل من جانب أي قوات عسكرية لطرف ثالث. وهذا يعني:

– أولاً: تكليف القوات السورية العسكرية بضبط الحدود اللبنانية – الإسرائيلية ونزع كل سلاح يوجّه الى اسرائيل.

– ثانياً: الاعتراف بالإحتلال السوري للبنان.

– ثالثاً: تحويل الجيش اللبناني الى أداة طيعة في يد الجيش الإسرائيلي.

بالطبع لم تفشل هذه الإتفاقية بسبب حرص سوريا على لبنان بل لأن الإسرائيليين رأوا أن سوريا أضعف من أن تقدم لها إسرائيل تنازلاً ولو رمزياً ليحفظ ماء وجهها في الجولان.
خرجت سوريا من لبنان بإرادة أميركية عاكست إرادة اسرائيلية صريحة كانت ترفض ذلك. واليوم عاودت سوريا ممارسة إستراتيجيتها القديمة في إحداث الفوضى في لبنان عل ذلك يدخلها لبنان من جديد على حصان لن يكون أبيض على الإطلاق.

لبنان أنسى سوريا الجولان ثلاثين عاماً فهل يا ترى ينسيها شيء لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل