الحركة الخارجية "الشاملة" لرئيس الجمهورية شبكة أمان للبنان.. أما زيارة عون إلى دمشق فـ "تصعيد سوري"
المحطّة الأبرز لسليمان في نيويورك: هنا بادر و"تموضع"
كيف ينظر المجتمع الدولي، أي دول رئيسية "عالمية" وعربية فيه، إلى زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى إيران من جهة وزيارة رئيس التكتّل العوني ميشال عون إلى سوريا من جهة أخرى؟
سليمان في طهران: زيارة دولة إلى دولة
بالنسبة إلى زيارة الرئيس سليمان إلى طهران التي بدأت أمس وتنتهي اليوم، يعتبر المجتمع الدولي أنها لا تنطوي على "معنى خاص". ذلك أن القائم بها رئيس للجمهورية وهي زيارة من دولة إلى دولة. وإلى ذلك تضاف حقيقة أنها تتم في إطار جدول زيارات خارجية قام بها سليمان شملت دولاً على علاقة "مختلفة" بلبنان وقضيّته مما لا يجعل وجوده في إيران ذا "ميزة" قائمة في ذاتها. بل لعلّ "وراء" هذه الزيارة سبباً يتعلّق برغبة رأس الدولة في لبنان في عدم جعل حركته الخارجية مادةً لخلاف داخلي، في وقت يهدف منها إلى تأكيد حضور لبنان على الخارطة الإقليمية ـ الدولية وإلى استعادة دور رئاسة الجمهورية الذي ضاع في ظل ولايتَي إميل لحود "الأصلية" والممدّدة سورياً على حدّ سواء.
مؤتمر نيويورك: الدلالات والمؤشرات
ومن وجهة نظر المجتمع الدولي، فإن المحطة الأبرز في التحرّك الخارجي الذي قام به الرئيس سليمان حتى الآن، تمثلت في مشاركته في مؤتمر حوار الأديان الذي إنعقد في نيويورك قبل أسابيع قليلة بمبادرة من المملكة العربية السعودية وبدعوة من منظمة الأمم المتحدة. وهي المحطة الأبرز من زاوية المظلة ـ الإطار كما من زاوية المواقف التي أكد عليها الرئيس اللبناني. أي أنها الزيارة التي تُعطي إشارات "كافية" إلى التموضع اللبناني بعد تحرير الرئاسة في لبنان من الوصاية السورية.
في نيويورك، كان ما يمكن تسميته "الهجوم" السعودي بـ"المبادرة العربية للسلام". وذلك على تقاطع مع حدث إنتخاب رئيس أميركي جديد يُعلن نيّته الانتقال فوراً من تسلّم البيت الأبيض إلى إدارة عملية السلام في الشرق الأوسط. وعلى تقاطع مع مواقف دولية عدة، بريطانية وفرنسية.. وروسية تعلن نيّة جعل العام 2009 عاماً للسلام والتغيير في الشرق الأوسط والعالم. أي أن المملكة بهجومها بمبادرة السلام العربية إنما تضع جدول أعمال مرحلة الشهور القليلة المقبلة. وفي نيويورك كان خطاب الرئيس سليمان الذي أكّد التزامه ولبنان بمبادرة السلام العربية، بمرجعيات هذه المبادرة في قرارات الشرعية الدولية، وبمرجعيات "سلام لبنان" في القرارات الدولية أيضاً، محتفظاً للبنان بحقّه السيادي في أن يدور حوارٌ داخلي ينتج "مصالحة" بين البلد والشرعية الدولية "في وقت من الأوقات". وفي نيويورك، كانت مبادرةُ سليمان المجسَّدة في دعوته إلى جعل لبنان مركزاً للحوار بين الأديان والحضارات، إنطلاقاً من الصيغة اللبنانية وتعزيزاً لها.
إذاً، في تحرّكه الخارجي عربياً ودولياً، يُعطي الرئيس سليمان ملامح المرحلة اللبنانية المقبلة، مرحلة الالتزام بـ"نظام المصلحة العربية" وبالشرعية الدولية، ومرحلة الانتقال بلبنان من "الساحة" إلى الوطن ومِن الصراع المفتوح إلى الدولة. وهي مبادئ أكد عليها في خطبه ومواقفه، وآخرها خطابه في عيد الاستقلال الخامس والستين.
الجنرال في دمشق: إشارة تصعيد سوري
فماذا عن زيارة عون إلى سوريا في المقابل؟
في هذا المجال، لا يُخفي المجتمع الدولي، أي دولٌ رئيسية فيه، عدم اكتراثه بالجنرال في حد ذاته، ما يجعله يقارب الزيارة من زاوية سوريا وما تقصده منها. وذلك على قاعدة أن زيارة سوريا ليست مفصلاً في المسار السياسي العوني أو منعطفاً جديداً، على اعتبار أن مسار إرتباط عون بسوريا بدأ قبل عودته من باريس في العام 2005 واستمرّ بعدها حتى اليوم، وعزّز ارتباطه بسوريا بارتباط آخر بإيران، وهو يلعب دوراً تنفيذياً تقرّره له دمشق وطهران.
في هذا الإطار، يعتبر المجتمع الدولي أن النظام السوري بدعوته عون وإستقباله، إنما يُعطي إشارةً تصعيدية، أي أن زيارة عون إلى دمشق تصعيد سوري.
لماذا؟
تصعيد سوري من زاويتَين رئيسيتَين. الأولى إذ يُعلن نظام الأسد عزمَه على مواصلة التدخّل في الشأن اللبناني بما في ذلك الشأن الانتخابي. والثانية إذ يُشهرُ هذا النظام نزاعاً مستمراً مع الشرعية اللبنانية، أي مع المؤسسات اللبنانية، ليقيم مع عون علاقةً هدفها "الأخذ" من الدولة.
والحال إن إشارة التصعيد السوري هذه، تأتي لتنقض التعهدات التي أعطاها النظام السوري للمجتمع الدولي بوقف التدخلّ في لبنان، وبالامتثال لقواعد السلوك المحدّدة دولياً لهذا النظام تجاه لبنان والعراق وفلسطين.. وفي المنطقة بمجملها.
الضغوط الدولية على دمشق مجدداً
على أن الأهم، هو لفت النظر إلى أن إشارة التصعيد السوري تأتي في ظلّ تصاعد الضغوط الدولية والعربية مجدداً على النظام في سوريا من ناحية ولتزيد من وطأة تلك الضغوط عليه من ناحية ثانية.
لا يخفى أن الضغوط "عادت" على إيقاع "مرتفع". فمنذ أيام، يبدو واضحاً أن الملف النووي السوري فُتح على مصراعيه بتأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود يورانيوم في الموقع السوري الذي قصفته إسرائيل في أيلول 2007 وزاره مفتّشو الوكالة، وبطلبها التفتيش مجدداً في سوريا. وقبل ذلك بفترة، وتزامناً مع الإنزال الأميركي على الحدود السورية مع العراق، فتح ملف علاقة النظام بالإرهاب وصولاً إلى تأكيد المندوبة الأميركية في الاجتماع الذي عقد في دمشق أول من أمس أن سوريا تؤوي إرهابيين. وفي الأسبوع الماضي، كان تشديدٌ بريطاني وفرنسي على أن نظام الأسد يخضع لامتحان مستمرّ لقدرته على الوفاء بشروط اكتساب الأهلية لعضوية الأسرة الدولية مجدداً، بل أكثر من ذلك أفيد أن وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند أفهم ذلك النظام أن لا وقت ضائعاً في الأجندة الأميركية ـ الدولية وأن عليه تسريع خطى الإذعان لدفتر الشروط.
إن المقدّمات الآنفة إذ تركّز الأنظار على عودة النظام السوري في الأسابيع الماضية إلى دائرة الضغوط والعزلة الدولية ـ العربية، تشير في الوقت نفسه إلى أن زيارة عون إلى سوريا المعتبرة تصعيداً سورياً، لا ترقى مع ذلك إلى مستوى أن تكون وسيلة فعّالة في مواجهة سوريا للضغوط والعزلة، لأنها أشبه بـ"فتّيْشة" في "حقل رماية"، فضلاً عن كونها سبباً لمزيد من الضغوط.
سليمان و"شبكة الأمان"
بطبيعة الحال لم تكن المقدّمات الآنفة في وارد المقارنة بين مجمل التحرّك الخارجي للرئيس سليمان والتحرّك المحدود لعون على خط طهران ـ دمشق فقط، ولا تجوز المقارنة أصلاً بين الرجلَين والموقعَين والسياستَين. غير أن تلك المقدّمات تهدفُ إلى تسليط الضوء على ما تمثّله حركة سليمان الخارجية من مؤشّرات تتعلق بمستقبل لبنان في الإطار العربي والدولي، فضلاً عن كونها شبكة أمان حقيقية للبنان في وسعه أن يستظلّ بها "من" التطوّرات الإقليمية التي تبدو "صاخبة" وأن يركّب عليها سلامه من الخارج وسلامه الداخلي في آن.