التحدي الأكبر
ما طرحه النائب وليد جنبلاط من مخاوف، وهو خارج من لقائه والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير حول شكل لبنان الذي سيكون إذا ما انتصرت قوى 8 آذار في الانتخابات، يعكس تماما مخاوف القاعدة الاستقلالية التي رأت في انقلاب 7 ايار نموذجا حيا لخيار الفريق الآخر في السياسة الداخلية، ولا سيما في ما يتعلق بالتعامل مع التيار الاستقلالي الذي يمثل غالبية موصوفة من الشعب اللبناني بتنوعها، وحيويتها، وانتشارها في الداخل والخارج على حد سواء. ومخاوف القاعدة الاستقلالية مصدرها عاملان، الاول ضعف التماسك الحقيقي والعملي على مستوى القيادة في ما يتعلق بتنظيم الانتخابات النيابية المقبلة. فعلى رغم التواصل الدائم بين القادة، لا تزال الفئات المعنية بعيدة عن التفاهم على موضوع توزيع المقاعد على قاعدة واضحة، في ظل تضخيم كل جهة من حجمها الحقيقي، وعدم اتضاح قواعد التعامل مع الشخصيات المستقلة التي تعبّر عن روحية التيار الاستقلالي، وغناه، وانفتاحه، وتنوّعه من خارج الاطر الحزبية. وهذا العامل ينبغي وضع اسس لحله بسرعة، وواقعية، وتواضع. اما العامل الآخر الذي يقلق القاعدة الاستقلالية فيتعلق بالمرحلة التي تلت غزوات 7 ايار عندما بدت المصالحات (وهي مطلوبة في المبدأ) اشبه بعملية تسليم بالامر الواقع لغلبة السلاح الميليشيوي على مشروعي الاستقلال والدولة، وقبول بقواعد لعبة جديدة يفرضها "حزب الله" على بقية مكوّنات الشعب اللبناني، وعلى الشرعية كذلك بحيث اعتبر كثيرون ولا يزالون ان الانتصار في الانتخابات المقبلة لن يبدل في الامور بناء على سابقة الاكثرية الراهنة التي عجزت عن ممارسة حقوقها السياسية، ولم تحكم بما يتوافق وكونها اكثرية. فضلا عن انها برهانها الحصري على قوى الشرعية من جيش وقوى امن خلال اكثر من ثلاثة اعوام، في وقت كان "حزب الله" يرعى ويسلح ويدرب شتى انواع الميليشيات الهامشية، ويتغلغل في المناطق، ويخطط للغزاوت – تركت القاعدة الاستقلالية مكشوفة في امنها وحياتها فجاءت الغزوات كأنها نزهة !
إن هذا الشعور متجذر في اعماق القاعدة الاستقلالية، ويحتاج الى معالجة جدية. من هنا اهمية ان تثبت قيادات 14 آذار لقواعدها ان الانتخابات ستكون مناسبة للتغيير، لا للمراوحة. ثم ان القول أن المطروح هو المفاضلة بين "لبنان الاستقلال ولبنان رستم غزالي" جيد لكنه لا يكفي. فالمهم ابراز وحدة الحلفاء من جهة، واتخاذ مواقف اكثر وضوحا من قضية سلاح "حزب الله"، لا بل اكثر جذرية. فالسلاح المشار اليه ليس مقدّساً ولن يكون كذلك في نظر غالبية لبنانية واضحة، بل ان تلك الغالبية الشعبية تنظر اليه نظرة عدائية لانها تعتبره سلاحا عدوانيا مُهددا للكيان، والنظام، والاستقلال، والحرية، واعتدى على مواطنين لبنانيين آمنين في احيائهم وقراهم.
المطلوب اليوم التذكير بما تحقق مع انتفاضة الاستقلال، وثورة الارز، والانتقال من مرحلة الاستكانة التي اعقبت غزوات 7 ايار الى مرحلة الإعداد لانتصار انتخابي واضح، يقوم على الاعتزاز بمشروع الاستقلال والدولة، والثبات على رفض الخضوع للامر الواقع الميليشيوي، أياً تكن التضحيات. فإذا كان خطر حكم لبنان من "ريف دمشق" ماثلا إذا ما انتصرت قوى 8 آذار، فإن ما هو اخطر باشواط من "ريف دمشق" يكمن في احتمال سقوط لبنان بين براثن قوة فئوية منافية للكيان نفسه، وتقود لبنان من حرب الى حرب الى ان يتحول اللبنانيون – اذا نجحت – معتقلين في سجن قروسطي تحرسه "روبوتات" لا يرف لها جفن حتى وإن احترق لبنان بكل اهله !
ذلك هو التحدي الحقيقي.