"حلف السجاد"
لا يجد "حزب الله"، عبر وسائل إعلامه، ما يردّ به على الكلام السياسي العاقل الذي تطلقه قوى 14 آذار حول استيعاب سلاحه في اطار استراتيجية دفاعية، سوى امرين: العويل والنحيب تحت غطاء زعم نية خصمه السياسي الاغلبي "نزع سلاحه"، عازلاً الامر عن حق اللبنانيين في مناقشة مصيرهم ودورهم في حرب مفتوحة "يسمسر" لها لمصلحة "حلف السجاد" الذي يضمه ودمشق (التاجر) وطهران (الصانع الحائك). والامر الثاني هو التهجّم الشخصي على قيادات "ثورة الارز"، وهذا ما فعله في السابق مع سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، واليوم مع الرئيس امين الجميّل عقب مهرجان الاحد في ذكرى اغتيال الشهيد بيار.
لم يقل احد من قادة 14 آذار بـ"نزع سلاح حزب الله" يوم كان مقاوماً، ولا يوم صار سلاح ميليشيا، واداة فتنة داخلية، وتحديداً منذ السابع من ايار الفائت. مع ذلك يستخدم الحزب وآله هذا التعبير لشد العصب الشعبوي، ولكن والاهم لإلصاق تهمة التخوين بخصومه، وتبرير انقلابه على السلم الاهلي مرة اخرى وفي الوقت الذي سيراه مناسباً، ولمَ لا حين تنتهي الانتخابات النيابية المقبلة الى هزيمة مشروعه لهيمنة "شرعيته" على شرعية الدولة اللبنانية.
وليكمل الايحاء بـ"استفظاع" "جريمة" خصومه، يلجأ الحزب القائد في جماعة 8 آذار الى "تسخيف" هؤلاء. فالرئيس امين الجميل لم يكن يعلن موقفاً بل كان في حالة صراخ (بحسب تلفزيون "المنار")، وهو "يعاني هبوط طموحه دفعة واحدة من الرئاسة الاولى الى مرشح لمقعد نيابي خسره امام مرشح مغمور من التيار الوطني الحر في المتن الشمالي". وتزيد "فظاعة الجريمة" حين يحاول منبر الحزب الايحاء ان الكلام على مصير سلاحه يتنافى والتوافق على اللجوء الى طاولة الحوار، فاضحاً بذلك نيته المبيتة تقطيع وقت اللبنانيين بها، واسكاتهم عن اعتدائه على حقهم في المشاركة بقرار السلم والحرب، انتظاراً منه لنصر يأمله وشريكه المستجد في "حلف السجاد" في ايار المقبل.
في الاطار نفسه، يعيّر من وراء "المنار" رئيس حزب الكتائب بأمرين: الاول، اتفاق 17 ايار الذي لم يوقّع لان الرئيس الجميل – وكان في امكانه ابرامه كرئيس للجمهورية – علّقه على موافقة مجلس النواب الذي اسقطه لاحقاً. وللجميل ان يشارك في الفخر بذلك. والثاني لكون الرئيس السابق عاد الى لبنان، بعد نفي نظام الوصاية له، بما سماه التلفزيون المذكور "بطاقة تعزية بالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد اقتنصها كجواز مرور". وليس للتلفزيون وحزبه ان يفاخرا بذلك، وبكون نظام وصاية يمنع مواطنا، ايا يكن، من حقه في ان يعيش في بلده.
الواضح من هذه "الادبيات" ما يعدنا به الحزب من "مجد" اذا ما تحقق حلمه بالسيطرة على مجلس النواب، ولعل في ذلك ما يعطي معنى كبيرا لقول زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ان فوز قوى 14 آذار في الانتخابات سيعني استمرار طاولة الحوار، وامتناعه عن قول ماذا سيحل بها اذا حصل العكس.
ان متابعة دقيقة لنهج "حزب الله" في السياسي والشعبي من ممارساته، تذكرنا بانه يستعيد ادبيات الحرب الاهلية، وفي الآن نفسه انه استوعب جيدا الدروس المستفادة من اخطاء طرفين في تاريخ الحرب اللبنانية هما "المقاومة الفلسطينية" بقيادة ياسر عرفات و"المقاومة اللبنانية" بقيادة بشير الجميل.
خطأ المقاومة الفلسطينية كان انها لم تحسن ان تكون "خفيفة الظل" على اللبنانيين، اذ كانوا "يصدمون" بوجودها الفج في كل مناحي حياتهم: من باب مساكنهم، الى باب رزقهم. وبفجاجة يزيدها افتراق الهوية الكيانية التي لم يخفف منها تمازج ديني لم يسهل قبول الاساءات اليومية.
"المقاومة الفلسطينية" حاولت ربط مصالح كثيرين بها لكنهم بقوا قلة، وطغى الحس القومي عند الكثرة من مؤيدي نضالها الى ان كثرت اساءاتها واضرارها. اما الحزب فلم يدع احدا، ولا سيما المؤمن باهدافه وبـ"علامات الظهور" التي يقدمه اهله كواحدة منها، الا شمله بـ"ماله الطاهر"، من عائلات الشهداء، الى سلسلة المدارس والتقديمات الاجتماعية.
اما من "المقاومة اللبنانية" فقد اكتسب "حزب الله" ما يمارسه اليوم في وجه الجميع، وتحديدا منذ اتفاق الدوحة. ولا بد ان كثيرين انتبهوا الى ذلك وهم يقرأون كتاب النائب السابق اللواء سامي الخطيب بعنوان "في عين الحدث".
ينقل الكاتب استراتيجية مجموعة بشير الجميل في التخطيط لوصوله الى رئاسة الجمهورية، وقد كتبها المفكر شارل مالك احد ابرز اركانه، ومفادها الآتي: ان على الشرعية ان تأخذ القرار التاريخي بتبني المقاومة المسيحية وتحويلها مقاومة لبنانية. انه اخطر قرار واصعبه يتخذه الحكم، لانه يفترض شرطا مسبقا اقدام الشرعية على تغيير ذاتها، طابعا وطبيعة… ان هدف المقاومة الاساسي الذي يجسد فكرة ترشيح بشير للرئاسة هو تحويل الشرعية الحالية شرعية اخرى من طريق الشرعية نفسها وبوسائل شرعية.
ابدل المقاومة المسيحية بالمقاومة الشيعية، وتذكر ان محاولة لبننتها بدأت قبل مدة باعلان تشكيل مقاومة من كل الطوائف، لم تولد واقعيا، وتذكر ان انتخاب بشير الجميل يحل محله في الوضع الراهن انتخاب استراتيجية "حلف السجاد".