تنك…
حدّثني عزيزي فيصل يا إخوان، عن معادن الرجال بالأمس. ولأنه لا يحب طول السيرة ويهوى الاختصار وفق مبدأ ما قلّ ودلّ، فإنه خلُصَ الى القول أن أبخسهم قيمة هو معدن التنك، ولذا يقال في العامية "رجل متنّك" بمعنى أن حالته زفت وقطران وما شابه ذلك من مواد تعشق الالتصاق بالبلاط وما تحته.
وحدثني عزيزي فيصل قائلاً بعد ذلك، أن الدنيا تدور في مستقر لها. وأن الشمس جزء من تلك الدنيا، وأن أفحل العقول والأدمغة عجزت عن سبر أغوارها وكينونتها وصيرورتها، وأن كل ما نسمعه في هذا المضمار ليس سوى تخمينات وإن كانت تحمل قدراً من القيمة الفكرية والعلمية.
أما لماذا هذه المقدمة يا إخوان، فلأن عزيزي فيصل، كما أخبرني باختصار، كاد يطقّ من القهر لأن بعض الرجال التنك عندنا لا يزال غافلاً عن حِكَم الزمان ومعجزات الخلق، ولا يزال يفترض أن الأرض مسطحة وأن الشمس تطلع من الغرب وأن الناس تصدقه في قوله هذا… وأن بعض الرجال التنك يفترض تبعاً لمنظومته الفكرية هذه(؟) أن رب العزّة والجلالة قولبه في معدن فريد من نوعه ثم كسر وراءه ذلك القالب، علماً أنه سبحانه وتعالى أفرد له حيّزاً من العقل لا يتخطى كُمّ القميص القصيرة، التي يلبسها، ولم يُنعم عليه بأكثر من نصف لسان يستخدمه في الكذب الفاضح والمالح فيما النصف الثاني أُبقيَ دون مرحلة التطوّر البيولوجي المعتاد رحمة بالعباد والبلاد.
وأخبرني عزيزي فيصل، في درره وحِكَمه، أن التنك بدوره أنواع. منه ما يُستخدَم في مهمة جليلة كحفظ زيت الزيتون وبعض المأكولات وهو هنا جزء أساسي من دورة التصنيع الزراعي التي تفيد ألوف العائلات العاملة في الزراعة، ومنه ما يُستخدَم في أنشطة إنسانية رائدة مثل الطب الحديث ووسائل النقل وغير ذلك مما هو مفيد للبشرية جمعاء. أي باختصار، ليس التنك في حد ذاته معياراً للوضاعة أو الخسّة أو النذالة، كما يفترض المرء للوهلة الأولى… الحاصل في هذا المضمار خطأ شائع، في حين أن الصواب النادر هو ما سلف من عرض لبعض الحقائق المتعلّقة بفضائل التنك.
أخبرني عزيزي فيصل بذلك ثم مضى، مفترضاً أنني حصيف بما يكفي لأفهم المغزى المقصود من روايته… وبعد أن جلست ومحّصت وفكّرت وصفنت وأكلت وشربت ودخّنت، فطنت الى أن المقصود بتلك السالفة هو الآتي: بدلاً من القول إن الرجال معادن وبعضهم تنك، وَجُبَ القول أن بعض التنك مثل بعض الرجال خصوصاً اولئك الذين يملكون رؤوساً مليئة بالزفت ليس إلا… ولهذا فقد اقتضى التنويه والشرح والتعليل والاعتذار… من التنك!