وسط حدين لعدم التساهل هما الملف النووي ووضع اليد على لبنان
إدارة أوباما تخوض غمار مقاربة جديدة مع إيران وسوريا
تواصل إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش في الشهرين المتبقيين له في الحكم، اي حتى 20 كانون الثاني المقبل، الاهتمام بملف لبنان ومتابعة التعهدات والالتزامات التي قطعتها لمساعدته خصوصا على صعيد دعم المؤسسة العسكرية ولبنان الدولة على نحو يرى كثيرون انه قد يكون ملزما لخلفه في البيت الابيض نتيجة الدعم البعيد المدى في هذا الاتجاه. وهذا الدعم يتوقع ان يستمر على رغم المقاربة المختلفة التي ستتبعها الادارة الجديدة للرئيس باراك اوباما مع دول مثل سوريا وايران. اذ ان كل المرشحين لتولي مسؤوليات في ملفات المنطقة من عهد الرئيس السابق بيل كلينتون سبق ان نظّروا لمقاربات مختلفة في التعامل مع سوريا وايران وقدموا اقتراحات في هذا الصدد، كما ان هناك اقتراحات قيد التحضير. ولذلك لن يكون وضع هذه المقاربات قيد التنفيذ مفاجأة في ذاته، علما ان كثيرين من الديبلوماسيين يعتبرون ان ادارة بوش مهدت لمثل هذه المقاربات المحتملة من خلال مشاركة الديبلوماسية الاميركية في اجتماعات عقدت في جنيف مع ايران حول ملفها النووي، متجاوزة شروطا كانت حددتها واشنطن بنفسها لمثل هذه المشاركة، وكذلك الامر مع اللقاءات التي عقدتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ونظيرها السوري وليد المعلم ومشاركة سوريا في مؤتمر انابوليس.
الا ان المهم سيكون في طريقة هذه المقاربة، وهل هي من دون شروط او في مقابل تعهدات محددة وتنفيذها، باعتبار ان مسألة دعم سوريا لـ"حزب الله" وحركة "حماس" وسائر التنظيمات الراديكالية تبقى من ضمن سلم الاولويات الاميركية، او انها ستكون مقاربة من دون اثمان او شروط تلتزم الشروط الاميركية المعتمدة من الادارة الحالية؟
يجزم مطلعون بان الادارة الجديدة لا يمكنها طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة متجاهلة ما هو سائد عن كل من الدولتين في واشنطن بالذات، كما يتعين عليها اخذ جملة امور اقليمية في الاعتبار. فالموقف الاميركي ينحو لاعتماد مقاربات مختلفة على قاعدة ان التغيير يمكن ان يحرك الامور، باعتبار ان الوضع السابق وصل الى افق مسدود. ولا يمكن ان تبقى الامور في السياسة جامدة. ولكن لا يتوقع ان يكون الانفتاح الجديد من دون اثمان، ايا تكن طبيعتها. وهذه المقاربات ستقوم على الارجح على ما عهدته في عهد كلينتون، اي استخدام جزرة، وقد تكون جزرة حقيقية ولكن تقابلها عصا حقيقية ايضا. فالطاقم الذي يؤمن بهذا المبدأ يعرف ان لسوريا مصالح حيوية في لبنان وكذلك ايران، ولكن على ان تكون هذه المصالح من ضمن المعقول اي عدم تعريض استقلال لبنان وسيادته للخطر، علما ان افراد طاقم اوباما يعرفون جيدا طموح سوريا الى وضع يدها مجددا على لبنان او احتمال ان يذهب لبنان ضحية التفاهم المحتمل بين سوريا واسرائيل التي يمكن ان تسلم مجددا بوجود قوي لسوريا في لبنان على قاعدة التزامها تولي حل سلاح "حزب الله" وانهائه.
وما يمكن فهمه حتى الآن هو ان الادارة الجديدة ستنفتح حكما على خصومها السابقين او ستجرب ذلك، باعتبار ان تجارب الانفتاح السابقة لرؤساء دول مع سوريا لم تكن مشجعة. لكن المطلعين انفسهم يعتقدون انه بقدر ما ستظهر هذه الادارة انفتاحا ومرونة في الحوار ستظهر حزما في موضوعين اساسيين احدهما الملف النووي الايراني. فالتساهل حيال هذا الموضوع لا يبدو واردا، بل ان الهامش سيكون متاحا اكثر امام ادارة جديدة تملك كل الخيارات السلمية منها وغير السلمية، على اساس ان احد اسباب الاستقواء ضد ادارة بوش كان عدم قدرتها على اللجوء الى غير الخيار السلمي بعد الحرب الاميركية على العراق. اما الموضوع الآخر فهو اعادة وضع اليد على لبنان.
فكل القراءات السابقة خلال الاشهر الماضية لمرشحين من ادارة كلينتون للعودة الى الضوء شددت على دور اميركي فاعل في المفاوضات السورية – الاسرائيلية المحتملة، مستفيدة من رغبة سوريا القوية في دور اميركي لرعاية هذه المفاوضات على قاعدة مجموعة امور تساهم في تأمين المصالح الاميركية الحيوية في المنطقة من حيث تحقيق هدف استراتيجي في فك الارتباط الايراني – السوري، وايضا في السعي الى المحافظة على الاستقلال الجديد في لبنان ومنع بيعه من اسرائيل لسوريا على ما يخشى في حال المفاوضات الثنائية بينهما لانهاء سلاح "حزب الله".
هذا الواقع المبدئي تخرقه جملة استحقاقات بحيث يرتقب كثيرون العمل بشراسة من كل المعنيين والافرقاء على تعزيز المواقع واكتساب الاوراق قبل تسلم الادارة الجديدة الحكم وحتى قبل انطلاق عملها، باعتبار انها تحتاج الى اشهر عدة لتحديد معالم سياستها، علما ان هناك جملة تحديات ينبغي عدم تجاهلها من بينها الانتخابات الاسرائيلية حيث ترجح المعطيات الاميركية فوز بنيامين نتنياهو فيها، بكل ما يعني ذلك من تبدلات ستفرض نفسها على الادارة الجديدة. ولبنان بدوره لا يمكنه ان يبقى في مأمن عن محاولة مواكبة التغيير، وخصوصا في ما يتصل بالانتخابات النيابية التي تعني في الدرجة الاولى تركيز استقلال لبنان وعدم العودة الى الوراء. عودة تكمن، في رأي كل من يهتم بلبنان، في تقديم اكثرية نيابية موالية لدمشق مجددا.