#adsense

الكتائب، 72 سنة في خدمة لبنان

حجم الخط

الكتائب، 72 سنة في خدمة لبنان

نقولها بكل فخر دون تكبر، نرددها باعتزاز دون تجبر: لولا الحادي والعشرين من تشرين الكتائب، لما كان الثاني والعشرين من تشرين الاستقلال.
كنا بالامس نمشيه بفرح وخطى ثابتة وراء الرئيس الشيخ بيار الجميل من سينما روكسي الى بيت الكتائب المركزي رافعين الرايات هاتفين مهللين، وها نحن نحتفل بالذكرى اليوم برهبة وخشوع وكبر امام من سقطوا على مذبح لبنان، ليبقى لنا وطن الحياة والامل بالغد الافضل.

بيار الجميل المؤسس ورفاقه الاوائل، اسسوا مدرسة في الوطنية وهم كانوا من روادها ومناضلين من اجل الحرية والاستقلال. ونتذكر اليوم ان مجموعة من الشباب المتوثب للاستقلال اطلقوا الشرارة الاولى بعزم وايمان. كان من بينهم رفاق المدرسة ورفاق ملعب كرة القدم وشباب متمرد على الانتداب والعسكر السنغالي. منهم الرئيس شارل حلو والصحافي الفرد نقاش مؤسس جريدة"الاوريان" والمحامي حميد فرنجيه، وشفيق ناصيف وجوزف سعادة وجوزف شادر والياس ربابي والاخوين توفيق ولويس توتونجي وغيرهم، وقد جمعتهم الارادة الصلبة والمحبة والانضباط من اجل اطلاق ثورة شبابية بيضاء على الظلم والقهر والفقر والانتداب.

لم يكونوا يعلمون يومها انهم يؤسسون لأجيال واجيال، ولقافلة من الابطال استشهدوا من اجل لبنان.
وهنا، تعود بي الذكرى الى تعليق الرئيس شارل حلو في الثمانينات، وهو ينظر الى طلائع الكتائب وقواها النظامية الهادرة تسير امامه في مناسبة عيد تأسيس الحزب، فقال: "يوم اطلقنا الكتائب مع الشيخ بيار، لم نكن نعلم ان هذا الحزب سيصبح قويا ومنتشرا ومنظما كما هو اليوم".

لقد علمنا المؤسس ورفاقه ان نكون دائما في الطليعة: طليعة العاملين في خدمة لبنان، طليعة المدافعين عن القضية اللبنانية وطليعة الشهداء من اجل قضية الحرية.
لقد مرت على الكتائب خلال 72 عاما، اياما حلوة واياما مُرة وحزينة.

فنضال الثلاثينات حتى الخمسينات، ورغم صعوبته، أتاح للكتائب أن تواجه الأزمات الوطنية لمعركة الاستقلال، فلم تتوان بكل جرأة من الاتحاد مع حزب النجادة لجمع كلمة اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، من اجل انجاز الاستقلال الاول. وتابعت مسيرتها الوطنية والقومية في الدفاع عن الانسان اللبناني، وعملت على مناصرة القضايا النقابية والاهتمام بالقضايا الحياتية للمواطن، حتى أضحت ملتصقة بكل شرائح المجتمع اللبناني من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال والبقاع والجبل والعاصمة بيروت.

جرت احداث 1958، وتفجرت الاوضاع داخل الوطن الصغير الذي لم يمض على نيله الاستقلال سوى سنوات قليلة، وكاد لبنان ان يفقد هويته الحضارية والانسانية. فتطوعت الكتائب للدفاع عن مؤسسات الدولة وسقط لها الشهداء في ساحة الوغى.

في الستينات دخلت الكتائب تحت قبة المجلس بكتلة نيابية شاركت في الحياة السياسية والوطنية، واقترحت القوانين وساهمت مع الرئيس فؤاد شهاب في بناء دولة المؤسسات عبر مشاركتها الفعالة في الوزارات المتتالية، وكانت السباقة في الاهتمام بقضايا المواطن بقدر اهتمامها بقضايا الوطن الكبرى.

ربحت معارك انتخابية وخسرت معارك انتخابية، ولكنها بقيت هي هي، كالصخرة لا تتزحزح لا تؤثر فيها العواصف ولا تُثنيها الاهتزازات. وقد حذرت مرات ومرات على لسان رئيسها وقبل وقوع الكارثة من محاولة التوطين الفلسطيني بعد الحرب العربية الاسرائيلية عام 1967، واطلق بيار الجميل نداءات عدة محذرا من مغبة الوصول الى الفوضى والضياع. لكن قصر نظر المسؤولين آنذاك اوصل لبنان الى الكارثة عام 1975، واندلعت المعارك وانفجر الوضع الذي كلف لبنان خسارة خيرة ابنائه وتهجير عدد كبير منهم، وهجرة الى الخارج مستمرة حتى اليوم، وخراب اجمل عاصمة في الشرق الاوسط.

لم تنم الكتائب ولم تهدأ. حملت السلاح مرة اخرى رغما عنها، بعدما تهاوت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، للدفاع عن استمرارية الدولة ومؤسساتها الشرعية ضد مغتصب فاجر وفي وجه مؤامرة دولية خبيثة اتت على الاخضر واليابس في الوطن الجميل. سقط لها الشهداء في اشرس معارك التحرير، وراحت القافلة تكبر شيئا فشيئا بدأً بالشهيد الاول جوزف ابو عاصي مرورا برئيس مجلس الامن وليم حاوي وصولا الى الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل وآلاف الشهداء نذروا حياتهم من اجل قضية لبنان.

قافلة من الشهداء تسقط، وقافلة من المناضلين تحل محلها لتتابع المسيرة. وكانت الكتائب رأس الحربة في الدفاع عن لبنان الى جانب احزاب الجبهة اللبنانية.

توقفت الحرب، ولكن حكاية الكتائب مع الشهادة لم تنته. فالارز لا يرتوي الا بدماء زكية، ناصعة، صافية. ولأن الكتائب هي من خاطت العلم اللبناني الاول المحاطة ارزته بلون الدماء الحمراء، استمرت في عطائها من اجل لبنان وقدمت قرابين جديدة للحفاظ على الاستقلال الثاني بعد انسحاب الاحتلال من ارض لبنان. فسقط الوزير والنائب الشاب بيار الجميل النجم الصاعد الذي اخاف الحاقدين والمتربصين بلبنان شرا ثم سقط النائب انطوان غانم الصامد ابدا في مثلث الصمود بيد الغدر والحقد والجبانة.

وبقيت الكتائب صامدة، وعضت مرة اخرى على الجراح، رايتها خفاقة، تستعيد انفاسها وتستقطب جمهورها من جديد، لأنها كانت دائما حزب الصيغة، حزب الوحدة الوطنية، حزب الصمود في الملمات وحزب الامل بلبنان المشرق.
شعارها: ليس المهم من يرفع العلم، بل الاهم ان يبقى العلم مرفوعا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل