كله "كلام انتخابي" بحت.. ولو بعناوين كبيرة!
يدرك اللبناني، بحسه الغريزي، أن ما تتبادله الطبقة السياسية حالياً من مساجلات (فضلاً عن الاتهامات) ليس سوى كلام انتخابي تتوجه به الى الناس من أجل غاية واحدة لا غير: تبييض صورة القائل من ناحية، وتشويه صورة الخصم من ناحية ثانية. ليس ذلك فقط، بل ان كثيرا مما يطرح من بنود في هذا السجال لا يخرج بدوره عن اطار الكلام الانتخابي، وينطبق عليه ما يقوله اللبنانيون دائماً عن مثل هذا "الموسم" ليعود كل شيء بعد انتهائه الى ما كان عليه قبله.
ويدرك اللبناني كذلك، أن حسه الغريزي هذا ـ وان في وجهه الآخر ـ هو ما تحاول الطبقة السياسية التلاعب به في هذه المرحلة، ان على مستوى استثارة ما فيه أصلاً (بجهد دائم من الطبقة السياسية اياها) من غرائز طائفية أو مذهبية أو عائلية أو جهوية تحولت مع الزمن، وفي الأعوام القليلة الماضية تحديداً، الى نوع من "الانعزالية" الضيقة، أو على مستوى اثارة تهويمات جديدة يطلق عليها تارة نعت "حقوق" مغتصبة، وتارة نعت "مخاوف" من طغيان أكثرية، ودائما تحت شعار حاجة الأقليات الى "قيادة" واحدة للوقوف في مواجهة أكثريات اقليمية لا تفعل الا أنها تتكاثر يوما بعد يوم!
مع ذلك، فاللعبة مستمرة كما هي العادة التاريخية في لبنان: طبقة سياسية تتلطى وراء كلام انتخابي ضيق تخاطب به الغرائز، ومواطنون يدركون بغريزتهم اياها طبيعة ما يقال لهم في مثل هذا "الموسم".
مناسبة الحديث ما يتفق الجميع على قوله، وان بأساليب وعبارات متنوعة، من أن الانتخابات النيابية المقبلة هي انتخابات مفصلية في تاريخ لبنان يتقرر فيها أي مسار يتخذه البلد عمليا في سياق خيار واحد من اثنين لا ثالث لهما: اما الدولة الحرة السيدة المستقلة، أو البقاء "ساحة" مفتوحة أمام كل أنواع الصراعات الاقليمية والدولية. وعندما يكون الأمر كذلك، وهو كذلك فعلا، يصبح كل كلام انتخابي، خصوصا اذا كان دعائياً رخيصاً من النوع الذي يتردد على ألسنة المرشحين، والقوى السياسية التي تدعمهم وتقف وراءهم، أشبه بنكات انتهت صلاحيتها وباتت "بايخة" من كثرة ما جرى تداولها.
ولنقف للحظات أمام بعض هذه "النكات":
في موضوع "الاستراتيجية الدفاعية"، جاءت الخطة التي قدمها العماد ميشال عون الى هيئة الحوار الوطني تقول شيئين معاً وفي وقت واحد: من أجل استيعاب سلاح "حزب الله "، جعل اللبنانيين كلهم مسلحين اما تابعين الى الحزب اياه أو الى مجموعة أحزاب أخرى لا يهم الاسم ولا الشعار الذي يرفعه كل منها. ومن أجل بت مسألة "قرار الحرب والسلم"، تقسيم العمل بين الجهة التي يفترض أن تتخذ القرار ـ وهي في الخطة المشار اليها الدولة ـ والجهة التي يفترض أن تنفذ هذا القرارـ وهي فيها عائمة ومفتوحة أمام من يريد وكيف يريد ـ تحت عنوان مركزية القرار ولا مركزية التنفيذ. منتهى "الديموقراطية" الشعبية، ليس في ما يتعلق باقتناء السلاح فقط، ولدى اللبنانيين الكثير منه في كل حال، بل في ما يتعلق كذلك بأنواعه وكيفية وتوقيت استعماله … اتخذ القرار بصورة رسمية، أو لم يتخذ!
ولكي تكتمل القصة ـ النكتة، لا بد أن تشمل الخطة (ربما في ملحق سري، لدواع استراتيجية كما يفترض في مواجهة العدو) اخضاع الشعب اللبناني، نساء ورجالاً وشباباً وشيباً، الى دورات تدريبية مكثفة على أحدث أساليب حروب العصابات.
في موضوع كرسي نائب رئيس الحكومة، يمكن (بل لا بد !!) من التوفيق بين الحاجة الدستورية الى تعديل الدستور وعدم تعديله في الوقت ذاته. مجرد عرض مسألة الصلاحيات الخاصة بالكرسي على مجلس الوزراء تكفي، لأن متولي هذا المنصب حاليا، اللواء عصام أبو جمرة، يقبل بما يقرره مجلس الوزراء في هذه المسألة، أو وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء يلحظ الموقع، ان لجهة أن هذا النظام غير موجود أصلاً أو لأنه لم يلحظ هذا الموقع أو يحدد صلاحياته منذ البداية.
لماذا ؟!، لأن هذا الكرسي هو من "حقوق" نائب رئيس الحكومة التي يغتصبها عامداً متعمداً رئيس الحكومة، أو هو طائفياً من "حقوق" الروم الارثوذكس التي يغتصبها المسلمون السنة، وينبغي تالياً العمل على استعادتها مهما كان الحال، وبأي ثمن .. خصوصاً عشية الانتخابات النيابية "المفصلية" لمستقبل البلد.
أكثر من ذلك، فالذين شغلوا هذا الكرسي سابقاً اما فرطوا بـ "حقوق" الطائفة أو لم يبالوا بها، ولا بد اذاً من معاقبتهم انتخابياً، أو أنهم "تواطأوا" مع الرؤساء السابقين على طائفتهم، بما في ذلك في فترة ما قبل "اتفاق الطائف" عندما كانت السلطة الاجرائية كاملة في يد رئيس الجمهورية. و"العقاب"، في هذه الحالة الأخيرة، لا يجوز تالياً أن يقف عند حدود السياسيين من المسلمين السنة أو من الروم الأرثوذكس وحدهم بل يتعداهم الى الموارنة أيضاً.
في موضوع "حجم" طاولة الحوار، يمكن (بل لا بد !!) من توسيعها ومد قوائمها طولاً وعرضاً لكي تضم أشخاصاً ذوي أوزان سياسية لم يسعفهم الحظ العاثر، أو "الثلث المعطل" المفقود يومها، في أن تكون لهم كلمتهم في هذا الحوار، فضلاً عن توسيع "حجم" الحوار اياه ليغطي بنودا لم يتطرق اليها المتحاورون في المرحلتين السابقتين.
لا يهم ان كانت قرارات الحوار تفترض الاجماع، كما هي الدعوة اليه أصلاً، ولا حاجة تالياً لزيادة عدد المشاركين أو اعادة النظر فيه. ولا يهم كذلك أن هؤلاء يمثلون التيارات السياسية والطائفية كلها، وأنهم راعوا مبدأ الاجماع بشكل كامل في السباق فقرروا نقاطاً وتوقفوا عند نقاط أخرى لم يمكن التقرير بشأنها. ولا يهم كذلك أن لا اجماع بين المشاركين منذ البداية على توسيع "حجم" الطاولة أو توسيع نقاط البحث المطروحة أمامها. المهم فقط، وللأسباب المعروفة اياها (يطلق عليها نعت الوفاء للحلفاء)، تقديم هدايا لأصحاب الغرائز السياسية يمكنهم أن يجيروها بدورهم "أوزاناً" وأرصدة وجاهة لأصحاب الغرائز الطائفية والمذهبية والجهوية والعائلية في دوائرهم الانتخابية.
ومثيلاتها من المواضيع الأخرى: تقسيم الدوائر الانتخابية في "اتفاق الدوحة" الذي يتبرأ منه الجميع الآن، وتخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة الذي استفاقوا عليه مؤخرا فقط، وتعبيد طرقات المناطق وفلشها بالزفت، من دون نسيان موضوع الهاتف الخلوي الذي يتم بشأنه عقد مؤتمر صحافي شبه يومي الخ ..
غني عن القول إن هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، على الكلام الانتخابي البحت الذي تردده أطراف الطبقة السياسية في هذه الفترة، ليس خافياً الآن، ولن يكون خافياً في المستقبل أيضاً، على اللبناني الذي بات "خبيراً" بساسته ونوابه وقادة أحزابه وتياراته وطوائفه ومناطقه، تماماً كما بات "خبيراً" بأساليب الشحن الطائفي والمذهبي والعائلي والجهوي (الغرائزي أولاً وأخيراً) التي يعتمدها هؤلاء عشية كل معركة انتخابية .. ليعود كل قطيع الى قطيعه بعد اقفال صناديق الاقتراع: الطبقة السياسية الى قطيعها الباحث عن مصالحه ومنافعه الخاصة، والمواطن الى قطيعه الباحث عن لقمة العيش وتأشيرة الخروج الى بلاد الله الواسعة أملاً في العثور على مثل هذه اللقمة.
لا يعني ذلك انكار واقع البلد الطائفي، والمستقطب مذهبياً وجهوياً كما لم يحدث من قبل على هذا الأساس، الا أن "خبرة" اللبناني بأشخاص طبقته السياسية وتقاليدهم في التلاعب بالغرائز والعصبيات والكيديات تبقى المفصل الفعلي في هذه المرحلة المفصلية فعلاً من تاريخه وتاريخ وطنه.