دون ان نخرق الهدنة
اكد ما يجري في الشمال (خلال الساعات القليلة الماضية) ان القوى الأمنية قادرة اذا ازمعت على تطبيق القانون بالعدل والتساوي بين الجميع ، ان تصل الى ضبط الأوضاع بشكل شامل وكامل ، وان تنجح في فرض هيبتها وحزمها ، وان تدفع المخالفين للعد حتى " العشرة " قبل ان يرتكبوا افعالاً شائنة او جرمية كما تقول الأمثال وتؤكد .
وسبب هذا الكلام ان وزير الداخلية والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي استجابا لطلبات د . سمير جعجع ، وجرى تعزيز وحدات قوى الأمن الداخلي في مناطق الشمال ( المسيحي ) خصوصاً في شكا والبترون ومناطق التماس بين البترون والكورة من جهة ، والكورة وزغرتا من جهة ثانية .
وأول علامات الفارق والفوارق ، ان مطلق النار في سوق البترون (على مرافق شقيق النائب بطرس حرب) سارع الى تسليم نفسه للمراجع الأمنية ، وان مكافحة المخالفات والتجوّل بالسلاح قد بدأت جدياً وبشكل فوري ، وهي ستعطي بالتأكيد نتائج ملموسة وفي وقت قياسي قد لا يتعدى الأيام القليلة فقط .
وتبيّن للجميع امس ان د . جعجع لم يكن يهلوس (كما قال بيان صادر عن تيار المردة) بل كان يقرأ التاريخ بشكل عملي وموضوعي ، وفيه ان مثل هذا المسلسل كان قد بدأ بعد منتصف السبعينات (من القرن الماضي) ووفّر استمراره وعدم الحسم الأمني الشرعي فيه ، اسباباً جوهرية لردة الفعل العنيفة التي استثمرتها سوريا في دخولها الواسع في صيف العام 1978 والقسمة التي وقعت في صفوف المسيحيين يومها ، وهي ما سمح للأحتلال السوري بالتوطن والحكم المباشر طوال اكثر من 25 عاماً ؟ !
وفي المسلسل المتجدد والذي بدأ في العام 2005 في " ظهر العين " وانتقل وتنقل في كل مناطق الشمال من البترون الى شكا ، ومن بصرما الى سائر البلدات والمدن ، وكان ابطاله من غير آهالي هذه المناطق ، تهيأ للمراقبين ان اسباباً خارجة عن ارادة الجميع تحرّك هذا المسلسل وأن اهدافاً اكبر من ما يبدو في ظاهر الأمر تقف وراء استمراره وتنقله ! وتمنع بالتالي كل المحاولات التي تجري لوقفه ، بالمصالحة ( التي لم يبقَ تنازلاً ممكناً في سبيلها الا وبذل) او بالوساطة وعلى أعلى المستويات ، وهذا تحديداً ما دفع د . جعجع للمطالبة بأن تتولى المؤسسات العسكرية والأمنية الحسم (بالقانون) حتى لا يتكرر السيناريو السابق وتستعاد المشاهد التي ما يزال طعمها في أفواه اللبنانيين ، عن جهل (على افتراض حسن النية) او عمداً وبالتخطيط المبرمج اذا افترضنا ان النوايا السيئة والمبيتة هي من يقف وراء الأحداث الصغيرة المتتالية !
ولا شك ان الحشود السورية شمالاً ، والتي ادعى نظام دمشق انها تأتي لمواجهة الأصولية الشمالية (التي تهدد هذا النظام) كانت في البال وانها شكّلت جرس انذار دفع للمطالبة الملحة بالأمن الشرعي اللبناني ، لأنه البديل الوحيد المقبول من الناس العاديين الذين لا يتطلعون الى أكثر من في مواجهة " المخططات الشريرة " على امتداد كل المناطق اللبنانية .
واذا افترضنا ان النوايا صافية ، فإن الخطوات المتخذة ستوصل بالتأكيد الى اراحة الوضع العام ، وستؤمن أجواء هادئة تجعل الحركة السياسية العامة مضبوطة تحت سقف القانون ، واذا رأينا خلاف هذا ، فإن نقل التوتر الى الجامعات والمشاكل التي يفتعلها البعض هناك تؤكد ان رفض المصالحة والتلاقي هو في صلب الأستراتيجية الأنتخابية لبعض القوى ؟ التي ترمي الى التوظيف في هذا المجال ! لأن تضييق الخيارات امام الناس هو الطريق والطريقة الوحيدين لإستعادة ما كان في الأختبار الأنتخابي الأخير ؟ ! وهو ما يستحيل العودة اليه في ظل ظروف أمنية عادية لا شحن فيها ولا استعداء ، ولا استعادة للمشاهد البائدة والأستعانة بها لتخويف الناس واعادتهم الى حظيرة الخيار : بين السيء البلدي ، والأسوء الأقليمي ! التي اعتمدت طوال سنوات الوصاية ال 15 الماضية .
والدخول من الباب الأمني ، كما مسعى الدخول من تكرار الكلام عن خلافات داخل قوى 14 آذار ، يريد منها مطلقوها ان تكون الرافعة التي تستعين بالناس الواقفين على مسافة متساوية بين الأفرقاء ، وتقزيم أحلامهم وآمالهم من الحرية والسيادة والأستقلال ، الى مفاضلة صغيرة هي في صلب مشهد استعادة الماضي بكل مآسيه وأحداثه ! ونبش قبوره وملفاته والتزوير فيها ! كي تكون " القشة " التي تنقذ المهددين بالغرق من مصيرهم المحتوم !
ويبقى ان هذه القراءة لا ترمي الى خرق الهدنة الأعلامية المعلنة شمالاً ، بل انها تهدف الى وضع النقاط على حروف الكلمات ، والتأسيس تالياً للوصول الى خيارات استراتيجية وطنية يتقدم فيها خيار الحرية تحت كنف القانون وبحماية المؤسسات الشرعية على كل ما عداه ، لأن فيه الألف ياء في المسيرة المتجددة بإتجاه استكمال خطوات الأستقلال الثاني الموعود والزاهر والمستقر .