المهمة الصعبة لسليمان في إيران
يثير ذكر إيران، لدى اللبنانيين خصوصاً، مشاعر وهواجس متعارضة لا بل متناقضة. فبعضهم يتهمها بالتدخل في شؤون البلد الصغير وتقديم دعم مالي وعسكري لفئة فيه، ما يجعلها طرفاً في نزاعاته الداخلية. وبعضهم يشيد بوقوفها الى جانب المقاومة ضد إسرائيل وتقديمها المساعدات لتعزيز الصمود، ويرى دعمها لـ «حزب الله» في اطار المعركة الكبرى ضد العدوانية الاسرائيلية.
وفي الحالين، اقتصرت الروابط الايرانية – اللبنانية على وسيط أهلي من دون اي اعتبار للعلاقات الديبلوماسية بين الدولتين. واذا كان يمكن النظر الى ان الدعم الايراني لفئة لبنانية، خارج أطر الدولة اللبنانية، بمثابة تدخل سافر في الشأن اللبناني الداخلي، مهما كانت تبريرات هذا الدعم، فانه في المقابل لا يمكن فصل هذه الفئة (وهي في غالبيتها من الشيعة) عن مرجعيتها الدينية الشرعية في ايران، مع كل ما يترتب على ذلك من خصوصية بين الجانبين.
ومن هنا المهمة الصعبة التي على الرئيس اللبناني ميشال سليمان ان يواجهها خلال زيارته لطهران. ولعل اسوأ ما يمكن ان يحصل للزيارة هي اعتبار انها تأتي في اطار بروتوكولي، بعد زيارات قام بها سليمان لعواصم عربية ودولية فاعلة، من دون الخوض في عمق طبيعة العلاقة التي ترغب الدولة اللبنانية ان تقيمها مع الدولة الايرانية. ولعل افضل ما يمكن ان تنتهي اليه الزيارة هو الوصول الى اعادة تثبيت الروابط الايرانية – اللبنانية، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الايراني ومشكلاته مع الغرب، على قاعدة التعامل بين دولة ودولة تقيمان علاقات ديبلوماسية طبيعية، ولهما مصلحة مشتركة في تعزيز هذه العلاقة، بما فيها التعاون العسكري اذا رأت الدولة اللبنانية مصلحة لها في ذلك.
ولا يبدو ان هذه المهمة التي تقتضي اكثر من زيارة، حتى لو تضمنت لقاء مرشد الثورة السيد علي خامنئي، سهلة. إذ ان التصريحات الايرانية التي واكبت زيارة الرئيس سليمان تختصر لبنان بأنه بلد المقاومة، بحسب الصيغة الايرانية. واذا ورد في بعضها كلام عن وحدة البلد والتعايش، فإنه جاء في اطار تعزيز قدرة هذه المقاومة. أي انه لم يبدر من الايرانيين ما يفيد عن استعداد لمعاودة النظر في سياستهم السابقة. هذه السياسة التي لا تتعارض فقط مع القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، خصوصا القرار 1701، وانما ايضا تتعارض مع استمرار حديثهم عن الوحدة. إذ ان ما يهدد هذه الوحدة، كما اظهرت التجارب السابقة، هو الانقسام على طبيعة هذه الوحدة بين الشيعة والسُنة وبين الشيعة والمسيحيين. ولا يسهّل استمرار هذه السياسة الايرانية مهمة الاطراف اللبنانيين في حوارهم حول الاستراتيجية الدفاعية التي يُفترض ان تنهي التعارض بين الدولة والمقاومة في لبنان، وتلغي الهواجس لدى اللبنانيين ازاء العلاقة الخاصة، خصوصا العسكرية، الايرانية – الشيعية، وما تنطوي عليه هذه العلاقة من احتمال جرّ لبنان الى نزاع عسكري في حال نشوب مواجهة عسكرية ايرانية – اسرائيلية.
ان حصر علاقة ايران بالدولة اللبنانية لا يعني حياداً سياسياً لبنانياً في نزاع ايراني – اسرائيلي، لكنها قد تبعد لبنان، المنهك والمهدد بالتفكك الداخلي وبنزاعات طائفية، عن ان يدفع ثمنا باهظا لهذه المواجهة. واذا كان الحرص الايراني المعلن على وحدة لبنان وتعايش ابنائه صادقا، فإن من اولى تبعاته هو تقوية الدولة اللبنانية ومنع تحوله الى ساحة صدام ايراني – اسرائيلي وغربي.