إذا كان المسيحيون يؤيدون سلاح "المقاومة"
فكيف يستقيم اتهام رئيس الكتائب بأنه يدغدغ مشاعر المسيحيين ليستفيد انتخابياً؟
خطاب الجميل من ارتباك عون الى أخطاء "حزب الله"
لم يُوفّق "حزب الله" في هجومه المستمر، منذ يوم الأحد الماضي، على الرئيس أمين الجميل، على خلفية خطابه في مهرجان "حزب الكتائب"المتقن التنظيم.
الخطأ المركزي في هجوم الحزب على الجميل تجلّى في قول مسؤوليه بعد ماكنته الدعائية، أن هدف رئيس الجمهورية السابق من المواقف التي أطلقها وملأت الفضاء اللبناني، إستنهاض الحالة المسيحية وجذبها إليه، ليستفيد منها في الإنتخابات النيابية المقبلة، وراح الحزب ليؤكد مقولته يعرض لضعف الموقع الإنتخابي للجميل، بغض النظر عن أن أصدقاءه "الإستطلاعيين" أكسبوا "الكتائب" في منطقتين غاليتين على حليفهم العماد ميشال عون، وعلى الأقلية الطامحة في أن تصبح أكثرية: زحلة والأشرفية.
أخطأ "حزب الله" بذلك، لأنه أقر، بصورة مباشرة، بأن المناخ المسيحي الذي يتوجه إليه الرئيس الجميل بمواقفه المناهضة له، هو مناخ رافض لوضعيته المسلحة، وتالياً فإن كل من يريد أن يحصد شعبية مسيحية، ليس عليه سوى إثارة مسألة "حزب الله" المسلح.
ويدرك "حزب الله" أن العماد ميشال عون، لم يحقق نجاحاته الإنتخابية في العام 2005، إلا بسبب مواقفه القاسية من سلاح "حزب الله"، ولكن ما كان يشفع لعون عند "حزب الله" الذي قدّم له أصواته في زحلة وجبيل كما إعلامه في معركة الشمال الإنتخابية وأصوات القوى التي يؤثر عليها، هو أن عون كان قد توافق سراً مع قيادة الحزب على تغيير نهجه، بعد الإنتخابات النيابية، الأمر الذي وفى به عون، عندما قرر أن يكون، في تشكيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى جزءاً لا يتجزأ من "الثلث المعطل" بقيادة "حزب الله".
ويوم الأحد الماضي، لم يخرج الجميل كثيرا عن المسار الذي سبق لعون ان سلكه في العام 2005، ومن يدقق بمعطيات الخطابين يمكن أن يتوقف عند مجموعة من النقاط المشتركة.
في العام 2005، كانت الحملة العونية تقوم على مقولة مفادها أن سلاح "حزب الله" تقسيمي، وهذا تحديدا ما قاله الرئيس الجميل، وفي ذاك العام أيضا كانت السلوكية العونية تقوم على حاجة لبنان إلى مسيحي قوي ليقف في وجه المسلم القوي، وكانت الأصابع تشير إلى "وحش" يتمثل بسلاح "حزب الله"، وهذا ما حاول الرئيس الجميل أن يفعله، ولكن ليس باللسان بل بالإشراف على تنظيم متقن للمهرجان الكتائبي، بحيث أكد أن كتائب اليوم ما زالت تملك مقومات كتائب أمسها الساطع.
ومن يراجع المؤتمر الصحافي الأسبوعي الذي عقده العماد عون، يوم الاثنين الماضي، يكتشف أن عون هرب من الإجابة مباشرة عن سؤال يتعلق بخطاب الرئيس الجميل .بدا عون عاجزا عن معارضة الخطوط العريضة لخطاب الجميل، فإذا به يسارع إلى اعتبار اتفاق الطائف غير مقدس، والى الإعراب عن اعتقاده بأن الجميل "يُخبّص" بطريقة طرحه للفدرالية (بمعنى آخر، أنه هو من يجيد طرح هذا الموضوع)، قبل أن يقفز إلى نقطة أراحته وتتعلق بطلب الإعتذار العلني من الجميل لاتهامه إياه بقتل ابنه الشهيد(!).
ويدرك "حزب الله" من الانتخابات النقابية والطالبية أن الخطاب المناهض لسلاحه في الشارع المسيحي بدأ يُضعف العماد ميشال عون، ذلك أن كل الدراسات المتوافرة لديه، تبيّن له أن وضعية عون، حيث لا وجود للصوت الشيعي، انتقلت من الربح إلى الخسارة، وأن وضعية "حزب الله" الانتخابية هي وضعية من يجيّر أصواته إلى عاجز عن مبادلته هذا التجيير، بمعنى أن الصوت الشيعي الذي يسمح لعون بانتصار يحفظ له ماء الوجه، لا تتم مبادلته بصوت مسيحي يوفر للحزب موقعاً متقدماً.
ولأن المسألة كذلك، فإن طريقة هجوم "حزب الله" على الجميل خاطئة بحق الحزب نفسه، فمن يدّعي ليلا نهارا أن المسيحيين والمسلمين في لبنان هم مؤيدون لسلاح "المقاومة" لا يستطيع أن يتهم سياسياً مناهضاً لهذا السلاح بأنه يعمل لاستقطاب الناخب، مسلماً كان أم مسيحياً، إليه، لأنه في هذه الحالة، إما يكون هذا السياسي في وضعية من يهوى الانتحار، وإما يكون الحزب قد أقر بأن لا المسيحيين ولا سائر المسلمين يقبلون به، بل هم يتقبلون خطاباً كخطاب الجميل، لأن الدول المركزية لا تصنعها شعارات فضفاضة إنما توافق بين مكوناتها على اتجاه واحد وجيش واحد وأمن واحد وقضاء واحد.
ولا يستطيع "حزب الله" أن يمرر هنا أو هناك، تلميحات إلى أن مقابل موقف الجميل لم يعد ثمة طائل من طاولة الحوار الوطني، لأن ما تضمنه هذا الخطاب، بغض النظر عن المشاعر من الاستعراض التاريخي لموقع الكتائب من التطورات اللبنانية والعربية، يبقى أقل "استكباراً" من تلك الخطابات شبه اليومية التي يلقيها الشيخ نعيم قاسم، وفيها ما فيها من اعتبار أن سلاح "المقاومة" بوضعيته الراهنة، قد أصبح أمرا محسوما، ولا مجال لتجاوزه في أي إستراتيجية دفاعية.
ويستحيل على "حزب الله" أن يراهن على العماد ميشال عون لإقناع عموم المسيحيين بما هم مقتنعون بعكسه، كما يستحيل عليه أن يراهن على جلسة هنا أو هناك لإقناع المسلمين بأمر يرفضونه، إنما عليه حتما أن يُغيّر سلوكياته الداخلية.
وبهذا المعنى، يستطيع السلاح أن يحمي السلاح، وفق ما حصل في السابع من أيار الماضي، ولكن السلاح لا يستطيع أن يقنع اللبنانيين بأن يصوتوا للسلاح، حيث تكون الانتخابات متحررة من سطوة السلاح.
وهنا ثمة من يسأل: ألم يلتفت "حزب الله" بعد إلى الضحايا السياسيين الذين راكمهم الدفاع اللفظي عن قوته المسلحة، فيما هو يثابر على أداء أقل ما يقال فيه إنه استفزازي؟
وفي هذا السياق، لماذا لا يترك "حزب الله" موضوع سلاحه المحفوظ حتى إشعار آخر، لطاولة الحوار الوطني، حيث يدرك أنه يتمتع بقوة معنوية عالية، في ظل وجود رئيس بمواصفات وفاقية كما هي عليه وضعية الرئيس ميشال سليمان؟ ولماذا يفترض بهذا الحزب الذي يُقدم ما يسميه مقاومة على ما عداها أن يكون مكبّر صوت لهجوم النظام السوري المملوء بالأضاليل على "تيار المستقبل"؟ ولماذا يتحوّل الحزب، في مناسبة ومن دون مناسبة، إلى محامي دفاع عن الجنرالات الأربعة ولا يترك الأمر للمحكمة الدولية التي وافق على القرار الدولي بإنشائها في البيان الوزاري للحكومة؟ ولماذا يغيب عمدا عن ذكرى الاستقلال؟ ولماذا يحاول أن يسرق الضوء من إحياء ذكرى استشهاد الوزير بيار الجميل برميه على الهواء الصباحي الرئيس السابق أميل لحود ورواياته المكررة المملوءة بافتراءات (قصص عن الرئيس رفيق الحريري وتلميحات إلى جوني عبدو الذي ضبط لحود على باب منزله يحييه على بطولاته في إيصال بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية) وبطولات وهمية (كقصة بقائه في وزارة الدفاع)، وتجرد قُدسي (كقصة إجباره بالتمديد وفرض قيادة الجيش عليه فرضاً وهو الذي تسلل تسللاً إلى الغربية حتى يحظى بهذا المنصب) وفضائل عجيبة غريبة (حيث من يكره سوليدير التي سماها يوما بلؤلؤة الشرق لا يقبل أن يخدش حياء بنك المدينة بكلمة)؟ ولماذا يتحوّل إلى ناطق باسم حلفاء "فتح الإسلام" في لحظة وطنية حرجة؟
مشكلة "حزب الله" الحقيقية ليست في سلاحه، بل في اعتقاده بأن المطلوب من الآخرين أن يتغيروا ليصبحوا على صورته ومثاله، في حين يبقى هو ثابتا في مواقعه وفي سلوكياته وفي تحالفاته وفي طموحاته، أي في نقطة الاستياء الأساسية.
على أي حال، أهم ما في خطاب الرئيس أمين الجميل في مهرجان "حزب الكتائب" أنه سمح لـ"حزب الله" أن يكشف لنفسه أن الشارع المتحرر من سلاحه غير مستعد أن يدفع ثمنا لاستمرار سلاحه، وأن من يتحالف معهم بدل أن يقووا به يضعفون، وبدل أن يتألقوا وطنيا يشحبون، وبدل أن يُدللوا على أنهم بتغيّرهم قد غيّروا، ينبرون إلى ذم "حزب الله" بقولهم، كما هي عليه وضعية الماكنة العونية، أن التفاهم مع "حزب الله" يسمح بتجنّب… شره.