المناصفة مركز الثقل في "الطائف" والتحكيم أساس قوة الرئيس
انتخابات 2009: مصارحات "الاستحقاق الأخير"
مصارحات أربع برزت في الأيّام الأخيرة ويصحّ وصفها بـ"الاستراتيجيّة".
المصارحة الأولى حضرت في ثنايا الحوار الذي جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مع الشباب الجامعيّ عشية عيد الاستقلال. قدّم الرئيس مطالعة دستوريّة أكّد فيها انتفاء الرغبة بمراجعة المنطلقات الدستورية التي تنظم عمل السلطة الإجرائية وفقاً لاتفاق الطائف، وإنما الحاجة لتحقيق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. والحديث عن حاجة كهذه يعني أن التوازن مختلّ الآن نصّاً وواقعاً في هذا المجال. والاختلال لا يكون فقط بتقدّم إحدى السلطتين على الأخرى، استتباعاً أو تكبيلاً أو تعطيلاً، وإنما يكون أيضاً من خلال اختلاط الحابل بالنابل بحيث لا يعود مجلس النوّاب يشرّع ولا مجلس الوزراء يقرّر. طبعاً المخرج لا يكون بتجاوز الطائف وإنما بالاستفاضة في شرح الطائف نفسه وتطوير فهمنا له من خلال تكريس المرجعية التحكيمية التي أناطها برئاسة الجمهورية، فمثل هذه المرجعية التحكيمية من اللازم تفعيلها لتفادي تعطيل إحدى المؤسسات لعمل الأخرى.
انحياز دستوريّ
وبصرف النظر عن السياق السياسي العام أو الحواريّ الخاص الذي دفع برئيس الجمهورية إلى تسليط الضوء على مسألة التوازن المفتقد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وسبل إحياءه، فإنّ هذه المصارحة الأولى تتعارض بالتمام مع فكرة "الثلث الضامن" وتسحب عنها البساط. أنصار "الثلث الضامن"، وأولئك الذين يسعون إلى تكريسه كـ"عرف" سواء ربحوا الانتخابات المقبلة أم خسروا، هم أخصام لمبدأ الفصل والتكامل بين السلطات في النظام الديموقراطي البرلمانيّ، فعندهم ليس للأكثرية الحكومية المنبثقة من الأكثرية البرلمانية أن تقرّر، وإنما هي الأقلية القابضة على عنصر التعطيل التي يمكنها أن تجيز أمراً أو لا تجيزه. زد على أن السبيل المفضي في النهاية إلى تحقيق نظرية "الثلث الضامن" بموجب اتفاق الدوحة قد مرّ بتجربة تعطيلية استغرقت سنتان من عمر المجلس النيابيّ الذي حرم من وظيفته التشريعيّة، وبالكامل.
نحن إذن أمام رئيس للجمهورية له رؤية دستوريّة شاملة، وهذه الرؤية إن كانت تدفعه أكثر فأكثر لجمع شرائط المرجعية التحكيمية، وبالتالي عدم التحيّز إلى فريق ضد فريق سياسياً، فإنها تظلّ رؤية مغايرة في العمق لكامل التصوّرات الأساسية التي يبتنيها فريق 8 آذار حول طبيعة الدولة ونظام الحكم. إنّ صحّ استخدام المصطلحات بالإمكان اقتراح المعادلة التالية: الرئيس "وسطيّ" سياسياً بين 8 و14 آذار، لكنّه من حيث الرؤية الدستورية في صلب 14 آذار.
"كابوس التغيير"
أما المصارحة الثانية والمتمّمة للأولى من حيث العمق والأهمية فجاءت على لسان الرئيس أمين الجميّل في يوم الوثبة الكتائبية وفاء لذكرى بيار الشهيد، حيث اعتبر أنه إذا كسبت 8 آذار في الانتخابات "سيتحول التغيير كابوساً وسيتعطّل مفعول انتخاب رئيس الجمهوريّة". إنها نقطة الارتكاز في الخطاب. ليست تفصيلاً عابراً. ليست 14 آذار وحدها في خطر إذا لم تجدّد أكثريتها يوم الانتخابات. إنّ رئيس الجمهورية، بل ورئاسة الجمهورية المعقودة اللواء للموارنة في خطر. النزعات التي كشّرت عن وجهها غداة 7 أيّار مطالبة بـ"رئاسة موقتة" أو بـ"مجلس رئاسي موقّت" والتي عادت فطالبت بشطر رئاسة الجمهورية نصفين وإبتداع "نائب للرئيس"، لن تكون إلا "استطلاعات نار" مقارنة مع ما يتهدّد الموقع الأوّل إذا فازت 8 آذار في الانتخابات.
لا عجب إذن أن تأخذ الانتخابات بعداً "مصيرياً" في خطاب الرئيس الجميّل أو في التصريح الأخير لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. بل يمكن حتى الحديث عن طابعها كـ"استحقاق أخير"، كـ"رؤيا" أو "كشوف" (بمعنى "أبوكاليبس" في الموروث الدينيّ). الأفق كابوسيّ صرف إن فازت 8 آذار: تكون "اللعبة انتهت" ليس فقط في ما يتعلّق بالأزمة الناشبة منذ بضع سنوات، بل أيضاً في ما يتعلّق بمستقبل الكيان اللبنانيّ وتعدّديته السياسيّة والحضاريّة، وكل هذه المصائب ستمرّ بادئاً بعملية الانقضاض على موقع رئيس الجمهورية بعد أن يتمّ تعطيل كل الدفاعات السيادية والحيوية الحافظة لهذا الموقع في الموارنة والحامية له في معرض الصراع السياسيّ أي الجيش والكنيسة وقوى 14 آذار، الثالوث الاستقلالي بمعناه العريض. وعندها ستكتسب راهنية ما بعدها راهنية كلمات الجميّل الأخرى، فيفرض الواقع حينها الخروج بخلاصات عملية لدعوته التطويرية لاتفاق الطائف كما للمفارقة الأمّ التي سطّرها: "كانت النظريات في لبنان تقسيمية والواقع وحدوياً، اليوم صارت النظريات وحدوية والواقع تقسيمياً".
غريزة البقاء
وإذا كان النائب وليد جنبلاط نبّه بدوره إلى البعد "المصيريّ" للانتخابات فإنه أتى بالمصارحة الثالثة أوّل من أمس على درج بكركي. فهو ميّز جيداً بين ما ينتظره فريقا 8 و14، ففي حين يكفي الفوز لقوى 8 آذار لتحقيق برنامج إعادة لبنان إلى حكم الوصاية من دون انتقال الوصيّ من دمشق إلى بيروت بشكل رسميّ، فقد أوضح بأن قوى 14 آذار التي ينبغي أن تستنهض فيها "غريزة البقاء" بل "غريزة البقاء متكاتفة ومتأهّبة" لأجل الفوز في الانتخابات، لن تكون قادرة على ترجمة برنامجها السياسيّ بمجرّد هذا الفوز، وإنما ستواصل النضال في ظروف يفترض أن تكون أفضل، إذ أن التضييق أكثر فأكثر على مساحة اللجوء إلى العنف لحلّ المشكلات السياسيّة سيعطي حظوظاً قوية لتثمير الحوار الوطني على طريق "الاستيعاب التدريجيّ" لسلاح حزب الله في الدولة.
والحقّ أنه كي تنتصر 14 آذار في الانتخابات عليها أن تدمج بين المصارحات الثلاث السالف إيضاحها: تطوير النظرة إلى رئيس الجمهورية كحكم بين اللبنانيين ومنحه كل ما يلزم لأجل التحكيم، تطوير النظرة إلى الانتخابات النيابية بأنها تخاض ليس فقط "مع" أو "ضد" بقاء السلاح "فوق" الدولة بل أيضاً "مع" أو "ضد" رئيس الجمهورية ورئاسة الجمهورية، تطوير النظرة إلى مهام 14 آذار لجهة الحؤول دون عودة الوصاية في صناديق الاقتراع، وإلى مهام 14 آذار بعد الانتخابات لناحية الاستعداد لنضال شاق يصبو إلى "الاستيعاب التدريجيّ" للسلاح.
وكي تنتصر 14 آذار في الانتخابات ينبغي أن تسود ضمنها قراءة لاتفاق الطائف تقر بمركزية مفهوم "المناصفة" وليس أيّ مفهوم آخر. وإذا كانت "المناصفة" مركز الثقل في اتفاق الطائف وليس "إلغاء الطائفية السياسيّة" مثلاً فمعنى ذلك أنه لا يجوز أن تحضر المناصفة بالشكل دون المضمون، بل أن تجيء قلباً وقالباً على أساس من عقد الشراكة الكاملة.
أما المصارحة الرابعة فتأتي من موقع نقيض سواء بسواء لرئاسة الجمهورية أو للفريق الاستقلالي. المصارحة الرّابعة تحذير أو تهديد. بل أخطر من ذلك إنها "تنظير". تنظير إلى أنه لا يمكن أن يربح الخط اللاسيادي الانتخابات إلا من طريق الإرهاب وتجديد الاغتيالات بشكل نوعي ومشهدي.
قبيل 14 شباط 2005 وجد أيضاً من "ينظّر" للأمر نفسه داعياً إلى التخلّص من الرئيس رفيق الحريري قبل الانتخابات. لأجل ذلك فإن الدفاع عن المحكمة الدولية، بل وعن "ثقافة المحكمة الدولية" ضروريّ اليوم أكثر من أي وقت مضى.