لبنان أولاً حتى نحمي الاستقلال
"كنا ونبقى لأنا المؤمنون به
وبعد فليسع الأبطال ميدان"
سعيد عقل
تعريف القومية
على الرغم من مضي قرنين على احتلال المسألة القومية مركز الصدارة في الطروحات السياسية العالمية، فإن هذه الظاهرة لا تزال غير مفهومة بصورة واضحة على المستويين السياسي والاجتماعي، ذلك على الرغم من محاولات العشرات من المفكرين حول العالم تحليلها.
تعرّف القومية في شكلها الأحدث والأكثر انتشاراً بالأمة انطلاقاً من مسوّغات علمانية وثقافية على أساس أنها "مجموعة من الناس الذين يملكون لغة مشتركة وتقاليد ثقافية، تمكنهم من تأليف وحدة سياسية مستقلة وموحدة" وهذا هو الإطار المفترض لتكوين الدول في أوروبا وفي معظم العالم.
وقد كانت ولادة الفكرة القومية على خلفية الثورة الفرنسية سنة 1789 وتركزت على منطق الدولة الجامعة للأمة، وعلى أساس أن الدولة هي الغاية النهائية للقوم أو الأمة. وهذا ما كان مدخل عصر القوميات الذي أشار الى بداية أفول عهد الإمبراطوريات، الذي كان سائداً قبل القرن الثامن عشر، واستمر الى أواخر القرن التاسع عشر، وجزء من القرن العشرين.
بروز القومية عند العرب
على الرغم من بروز عناصر الوعي بالهوية القبلية العربية من خلال دور العرب في تأسيس الدولة الإسلامية، لم يتم ترجمة ذلك الى قيام دولة عربية على حساب الأمة الإسلامية، وذلك على الرغم من أن هذا العنصر هو من كان الرافعة الأولى للأمة، وتم نعت كل الحركات القومية بالشعوبية التي تهدف الى تقويض الأمة الإسلامية. وكانت هذه الحركات قد ظهرت بقوة في أواسط عهد الخلافة العباسية.
أما في العصور الحديثة، فقد ظهرت أولى بوادر مبدأ الدولة القومية من خلال احتكاك المصريين مع الحملة الفرنسية، فسعى الخديوي محمد علي الى تقليد النمط الأوروبي وأرسل بعثات تعليمية الى باريس ولندن، كان أحد روادها الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي الذي صرّح "أن الوطنية والحماسة الشعبية لمصلحة الدولة هي أساس نجاح الدول الأوروبية".
أما في المشرق فقد كان مسيحيو لبنان رواد حركة ثقافية تركّزت على إحياء الثقافة العربية في مواجهة حملة التتريك والطورانية المعتمدة هي أصلاً على بروز الوعي القومي التركي. وقد كانت اللغة هي الحاضنة الأساسية لهذه الحركة من خلال جمعية أدبية سرية، وضعت نظام تعليم متكاملاً ومناهج دراسية تنادي بالقومية العربية، كان روادها ناصيف اليازجي وبطرس البستاني. لقد وضعوا الأسس لعشرات المدارس ولكلية لإعداد المعلمين وأنشأوا الجامعة الإنجيلية السورية التي أصبحت فيما بعد الجامعة الأميركية والتي خرّجت أكثرية قادة الفكر القومي. الرسالة الواضحة من ريادة المسيحيين في ثقافة العروبة هي محاولة صادقة منهم لإيجاد قاسم مشترك مع محيطهم لا يجبرهم على التخلي عن معتقداتهم، ولكن، وفي الوقت نفسه، يعطيهم الفرصة للمشاركة في تطوير وبناء هذا المحيط. ولم يتم تطوير هذه الأفكار الى المستوى السياسي إلا بعد بروز مؤشرات انهيار الإمبراطورية العثمانية والتي تمثلت في لبنان بتجمع سياسي نخبوي من مختلف الطوائف، لم يتأخر الحاكم التركي العسكري جمال باشا في قمعها من خلال حملة من الإعدامات التي خلّدها شعبنا بيوم الشهداء في 6 أيار.
أما على المستوى العربي فقد قام الشريف حسين بتمرّد مدعوم من قبل الإنكليز ضد العثمانيين بهدف إنشاء مملكة عربية انتهت بمعركة ميسلون الشهيرة بعد أن فرضت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان.
وقد شهدت المنطقة بعدها دعوات أدت الى ظهور أحزاب وتجمّعات على أسس قومية مشابهة للتجارب الأوروبية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب وكانت قياداتها بمعظمها من المسيحيين. ولكن الحالة الأبرز كانت الناصرية التي سيطرت بقوة على العقدين السادس والسابع من القرن العشرين في العالم العربي.
التسوية اللبنانية التاريخية
خلال الانتداب الفرنسي، وبمسعى حثيث من المثلث الرحمات، البطريرك الياس الحويك! أعلنت دولة "لبنان الكبير" بعد ضم الأقاليم الأربعة الى جبل لبنان. لا نعلم اليوم ما كان يجول في خاطر البطريرك وقتها فدفعه الى وضع مسيحيي الجبل، ومعظمهم من الموارنة، تحت رحمة التبدلات الديموغرافية غير المحسوبة، بدل البقاء في دويلة صافية مذهبياً، فضمّ أقاليم ذات أكثرية ساحقة من المسلمين (مع وجود مجموعات متفرقة من الموارنة) وقد يكون في سجلات الكنيسة المارونية مدونات عن مسوغات هذا القرار. ولكن، وبالنتيجة، أصبح لبنان مشروعاً لمغامرة حضارية، ونموذجاً لا مثيل له في العالم، وقد يكون الهدف من هذه المغامرة هو إثبات أن الطبيعة الإنسانية قادرة على التسامح متى أعطيت لها الفرصة للتعارف، لأن التعصب والعدائية أساسهما الجهل في معظم الأحيان. ولكن هذا القرار ترك الجرح اللبناني مفتوحاً، يتجاذب ضفتية حلم الوحدة العربية وألم الإنسلاخ عن المحيط من جهة، وحلم الامتيازات المسيحية في محمية فرنسية وخوف من الذوبان في المحيط المسلم من جهة أخرى. حتى أتت التسوية التاريخية التي جعلت لبنان بلداً حراً ومستقلاً "ذو وجه عربي" وكان أبطالها بشارة الخوري ورياض الصلح زعيمي الاستقلال اللبناني الأول.
ولكن، فإن فكرة "الوجه العربي" تركت الباب مفتوحاً أمام تفسيرات مختلفة لعروبة لبنان. فهي في نظر القوميين اللبنانيين تعني أن لبنان أقل عروبة من بقية البلاد العربية بل إنه بالنسبة لهم غير عربي، مما حلّل لهم القيام بتحالفات مع قوى مناهضة لتوجهات القوميين العرب. وقد أدت هذه السياسة، وفي محاولة للمحافظة على الخصوصية اللبنانية، الى محاولة إقصاء ثقافة العروبة عن التعليم وإلى محاولة إقصاء القوميين العرب عن مواقع السلطة لمصلحة العروبيين التوفيقيين.
في الفترة الممتدة بين 1948 و1958، تراجع ألقُ الميثاق اللبناني بعد نكبة فلسطين واغتيال رياض الصلح والانقلابات على الأنظمة المدنية في سوريا ومصر. ولا يمكن في هذا المجال المرور على هذه الفترة من دون الحديث عن الظاهرة الناصرية التي اجتاحت العالم العربي، خصوصاً بعد حرب العدوان الثلاثي على مصر. لقد أدخلت الناصرية العالم العربي في حالة عاطفية إختلط فيها المنطق القومي بالمنطق الديني مع محاولات غير مكتملة لإعطائها بعداً إيديولوجياً وفلسفياً. وكان لشخصية الزعيم جمال عبدالناصر الجذّابة الدور الأهم في تحشيد الجماهير. لقد كان التأثير الناصري واضحاً في الواقع اللبناني ما أدى الى الدخول في الحرب الأهلية الأولى بعد الاستقلال، خصوصاً بعد دخول السلطة اللبنانية في لعبة المحاور (حلف بغداد).
وبعد 1958، لم يعد الميثاق الوطني يرمز لشراكة اللبنانيين، وصار الاستقرار في لبنان مبنياً على تسوية بين القوميين اللبنانيين من جهة يمثلهم رئيس الجمهورية اللبنانية وبين دولة عربية أخرى ترعى التوازن من جهة أخرى كانت بدايتها مع الرئيس جمال عبدالناصر ومن ثم منظمة التحرير وآخرها مع الرئيس حافظ الأسد.
وبناء على زوال العمق الوطني للميثاق الوطني لم يكن غريباً دخول لبنان في فترة الكارثة الوطنية المتمثلة بالحرب الأهلية التي أصبحت في حكم الواقعة منذ توقيع اتفاقية القاهرة سنة 1969، وما الانقسام الوطني الذي انطلق سنة 1975 إلا تحصيل حاصل لهذا الواقع مما أدخلنا في عصور الاحتلالات والوصايات المتعددة والبقية معروفة…
لبنان أولاً
في14 شباط 2006، الذكرى الأولى لاستشهاد والده، أعلن سعد الحريري أن خيار اللبنانيين وتيار المستقبل هو لبنان أولاً، ولبنان أولاً نراه كما يلي:
1 ـ إنه لبنان الملتزم الى أبعد الحدود بالعروبة من دون مواربة أو تورية.
2 ـ إن العروبة هي عامل تعاون ورسالة حضارية يكون أساسها الإنسان الفرد وحرية معتقده وتنوعه السياسي والديني.
3 ـ إن الالتزام بالعروبة لا يتناقض مع سعي اللبنانيين الى تثبيت كيانهم ودولتهم بشكل نهائي كمقدمة لتعاون حقيقي وحضاري مع باقي العرب على مختلف المستويات.
4 ـ ان مقولة لبنان أولاً المعافى والمستقل والديموقراطي والمزدهر هو الاكثر قدرة على دعم اخوانه في مختلف الاصعدة.
5 ـ ان لبنان المستقر والمتعدد والديموقراطي والمزدهر هو النقيض الطبيعي للكيان الصهيوني الذي بنى شهرته على ديموقراطية عنصرية.
6 ـ ان استمرار لبنان كساحة صراع وقتال وورقة للابتزاز لم تجلب للعرب الا المزيد من المتاعب ولم تحسن في وضعهم ولا في شروط تفاوضهم.
7 ـ ان مبدأ لبنان أولاً لا يعني العداء لسوريا بأي شكل من الاشكال.
8 ـ ان لبنان أولاً يعني مزيداً من الانفتاح على العرب والعالم ضمن قواعد الدولة ومصلحة الوطن.
9 ـ إن لبنان أولاً يعني لبنان القوي المتحكم بكل اراضيه والخالي من كل ازدواجية في السلطة والقابضة حكوماته على كل مقومات الحكم على أساس سلطة الشعب والمؤسسات.
الخلاصة
ان جوهر وأساس وجود الكيان اللبناني هو أولاً: الوجود المسيحي الحر والفاعل فيه وثانياً: التنوع الديني الذي أعطى الفرصة لجميع مواطنيه للافادة من العلم والمعرفة اللذين كانا النتاج لهذا التنوع. اننا نشعر اليوم ان الوجود المسيحي فيه اصبح في خطر داهم من جراء هجرة النخب والتهميش واستمرار وطننا كساحة صراع لحساب الآخرين. ان هذا الاحتمال سوف يؤدي الى زوال الكيان اللبناني وبالتالي، خسارة مسلميه للمزايا التي اكتسبوها من خلال وجودهم فيه.
من الجدير الاشارة الى انه كان من الصعوبة بمكان التعامل مع التحديات التي واجهها المعتدلون المسلمون في ظل تنامي الدعوات الراديكالية، وما التحركات الجهادية العنيفة التي طالت لبنان خلال السنوات الماضية الا شكل من أشكالها وقد وقع على عاتق المجتمع السني بشكل خاص مواجهتها وبشكل عنيف كما حدث مؤخراً مع فتح الاسلام. ولكن ذلك لا يعفي المسلمين من مسؤولية المحافظة على الصيغة اللبنانية، التي تقع الآن على عاتقهم اكثر مما تقع على عاتق المسيحيين، لأن المسيحي المشرقي ليس لديه بديل الا هذه الصيغة. ان تصحيح هذا المسار يجب ان يكون اولوية للمسلمين بالتعاون مع المسيحيين ويجب رفض التجاهل الذي تواجه به هذه القضية على اساس انها تعني الآخرين. يجب ايضاً التأكيد ان خطر التوطين سوف يصبح امراً واقعاً في حال استمرار الصراع المستمر على السلطة وفي ظل استمرار ضعف مرجعية الدولة. وعلى المسلم اللبناني تقع ايضاً مسؤولية حزم أمره نهائياً لعزل لبنان عن حصاد نتائج توترات المنطقة دون الافادة من خيراتها خصوصاً ان للمسلم ميزة الشعور بالامان في محيطه على عكس الشريك المسيحي المثقل بالخوف من الاضطهاد والشعور الاقلوي.
لقد أخطأ اللبناني المسلم في فترة من التاريخ باعتبار المنظمات الفلسطينية جيشاً يستقوي به المسلمون، وبتجاهل العمل المبرمج الذي مارسه الاحتلال السوري للبنان، لإقصاء المسيحيين "غير المتعاونين" معه عن مواقع السلطة. ان اي حيادية أو تواطؤ في هذا المجال سوف يؤديان الى تقويض احدى اهم التجارب الريادية في العالمين العربي والاسلامي، بخسارة الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحمل القدرة على تبني الحداثة والحرية في ظل نظام مدني تضمنه الديموقراطية وضوابط حقوق الانسان وضمان حقوق العبادة للجميع، بعد ان كانت منارة للثقافة والعلم والادب والفن في المنطقة والعالم. وفي نفس الوقت، فإن الانماء في المناطق والتجمعات المسلمة في لبنان يجب ان يصبح أولوية مسيحية بالتعاون مع المسلمين، كوسيلة وحيدة للحماية من التطرف.
كما ان اي طرح لوحدة عربية في المستقبل يجب ان يقوم على اساس لبنان أولاً وهذا يعني المحافظة على خصائص هذا الكيان وتشجيع التوجهات الديموقراطية، ومن ثم الانطلاق الى ايجاد قواعد لمصالح عربية مشتركة قد تفضي الى مسار يشابه المسار الاوروبي.
ان الانقسام المذهبي الذي يبرز اليوم في المنطقة والذي تظهر بوادره من خلال الخلاف السني ـ الشيعي، والذي ألقى بظلاله الثقيلة على الوضع في لبنان، لا بد انه قد زاد في تغريب المسيحيين وادى الى تضاعف خوفهم من الذوبان في اتون صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وهذا ايضاً يضع المسلمين امام واجب اخراج لبنان من سياسات الاحلاف والصراعات المتضاربة، من خلال التمسك بالصيغة اللبنانية، والامتناع عن الاستقواء على الشركاء في الوطن.
لقد ميز لبنان مسلميه عن محيطهم، من خلال التعددية، ثقافياً وحضارياً وعلمياً، فقد عرفوا الحرية واستفادوا منها ابداعاً وحضوراً انسانياً، في منطقة لا تزال ترزح تحت نير الديكتاتوريات. لقد حققوا من هذا الانفتاح الكثير من المنافع في مختلف المجالات وكان للجامعات التي شيدها المسيحيون الدور الاكبر في الانماء المعرفي والعلمي والثقافي، مع افادتهم المستمرة من العمق الاقليمي الذي أفاد منه المسيحيون ايضاً بجدارتهم وريادتهم في الكثير من المجالات.
ان العالم الاسلامي يواجه اليوم تحديات كبرى تشمل المواقف من: الحداثة والعلمنة والعنف، ويحتاج هذا العالم ليلعب دوراًً في هذا المجال. لذلك فإنه من واجبنا معاً، مسلمين ومسيحيين، فسح مجال لعلمنة الدولة وتقديم نموذج لدولة تعددية المذاهب تكون مثالاً للعالم عن قدرة المسلمين على العيش والمشاركة الايجابية، في اطار وحدة تتمتع فيها طوائفها بشخصياتها، دون الحاجة الى ادنى تقية، وهذه سوف تكون مساهمة لبنان في صياغة ثقافة العصر الانسانية.
ان هذا الواقع ايضاً يتطلب صموداً مسيحياً وقدرة على صوغ شراكة قائمة على الثقة مع المسلمين وقد تكون مهمة البطريرك اليوم مشابهة لأهمية الدور الذي لعبه البطريرك الحويك في تأسيس لبنان. ان التحدي كبير ولكن من غيرنا قادر على تحقيقه فهو الوسيلة الوحيدة لصيانة استقلالنا؟