في الطريق المرسوم
رياح الاستحقاق النيابي بدأت تهبُّ ساخنة في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من صعيد، مصحوبة بطبل وزمر واشتباكات بالأيدي، ومواجهات صوتيّة، تُقرأ كالمكتوب من عنوانها.
والعنوان يقول إن العنف موجود بكثافة في القلوب، وفي الكلام، وفي مجمل التصرفات والتصريحات بصورة جليَّة.
والمؤشِّرات ظاهرة وناتئة. سواءً في الساحات السياسية، او في ملاعب الجامعات والمدارس حيث اخترق التحزُّب صفوف الطلاب، وشقّهم الى فئات وتجمعات متناحرة ومتربصة.
ولكن، حتى الآن كل شيء يقول إن الامور بمجملها لا تزال في اطارها العادي. وإن يكن هناك من يخشى أن يفلت الملق سياسياً وطالبياً، وتتطور السجالات الى صدامات يختلط فيها الحابل بالنابل، وتقوم القيامة لتنام الانتخابات النيابيَّة في سرير التأجيل أو التعليق.
لذا تجدهم يحذِّرون وينبّهون، ويلفتون، قائلين ما هكذا تورد الإبل. ما هكذا تورد الأحزاب في الحياة العامة. ما هكذا تورد الخلافات والاختلافات والخصومات.
إلا أن قدامى المحاربين، وقدامى السياسييّن لا يجدون في "العلامات الأولى" ما يشغل البال أو يجعل الفأر يلعب في الأعباب.
فالانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية والنقابيّة والطالبية وما اليها كل عمرها هكذا، وعلى هذه الصورة، تشغل اللبنانييّن وتفرزهم، وتشعل الحماسة والتحزّب في كل لبنان من الناقورة الى النهر الكبير.
ليست المرة الاولى، وليست الانتخابات النيابيَّة الاولى، وإن يكن يطيب لبعض المراقبين ان يضفي على الانتخابات المقبلة صفات شتَى، ويحمّلها أوزاراً ومسؤوليات تبدأ بمصير النظام وتنتهي بمصير لبنان.
ما من شك في ان هذه الانتخابات تختلف عن سابقاتها، من حيث الأهميّة والخطورة والتأثير على اتجاه البلد صوب مزيد من الاستقرار والتوافق، أم نحو مزيد من الاضطراب والاختلاف والتفرّق.
من هنا يطيب لبعضهم ان يصفها بالمفترق، أو المنعطف، أو الموعد التاريخي.
آخذين في الاعتبار مجمل العوامل السياسيَّة من محلية واقليمية، ومدى تأثيرها في مجرى الأحداث اللبنانية، فالتجارب والتطورات والمتغيرات تقول لنا إن الماضي مضى.
وما من ماض عاد وتتكررَّ.
ومن من اسباب تجعل هذا المتضرر أو ذاك الطامع قادراً على تعطيل قرار عودة لبنان المخطوف الى ملعبه والى دوره.
فالتعطيل، أو التخريب، أو التأجيل، يفتقر الى قرار اقليمي ودولي. والمعلن دولياً واقليمياً بالنسبة الى لبنان هو منح هذا البلد مزيداً من الدعم، ومزيداً من المساعدات، ومزيداً من الفرص، التي توفِّر له مزيداً من الاستقرار والازدهار.
ستكون انتخابات حامية الوطيس، لكنها لن تخرج عن الخط والطريق المرسوم.