دمشق ترمي بثقلها لحسم نتائج الانتخابات النيابية لصالح مؤيديها
التحكم بالقرار السياسي اللبناني ومقايضة الغرب حول المحكمة أولاً
يتحرك النظام في سوريا من اتجاهات عدة نحو الداخل اللبناني هذه الايام، لدعم ومساندة أتباعه ومؤيديه وترجيح كفتهم في الانتخابات النيابية المقبلة في المواجهة الحامية مع خصومهم السياسيين، تمهيداً لإعادة الإمساك بالقرار السياسي من داخل المؤسسات الدستورية، ولو من خارج الحدود هذه المرة، في محاولة مكشوفة لاستعمال هذا التأثير <المرتجى> كورقة مقايضة مع الولايات المتحدة والغرب عموماً كما تعود على ذلك النظام المذكور طوال ثلاثة عقود منصرمة، إزاء القضايا والملفات المعقدة الضاغطة على هذا النظام، وفي مقدمتها قضية المحكمة الدولية، التي باتت مصدر قلق بارز لدى أركان هذا النظام على مختلف مستوياتهم، وذلك مع اقتراب موعد عمل هذه المحكمة، وإصدار القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
الاتجاه الأول، ظهر من خلال عراضة القوة لنشر وحدات كبيرة من الجيش السوري على طول الحدود اللبنانية ــ السورية، تحت عناوين مزيفة، كمكافحة تهريب البضائع على جانبي الحدود، في حين يعلم القاصي والداني، أن عمليات التهريب يتولاها أشخاص معروفون من النظام على جانبي الحدود، وتتم بتنسيق كامل من الجهات الرسمية السورية، ومثل هذا العذر المضحك المبكي، لا ينطلي حتى على أبسط البسطاء، كما هي حال التذرع بتنفيذ القرار 1701 كما روج لذك مسؤولون سوريون، في حين يعلم الجميع أن النظام السوري لم يعترف أصلاً بالقرار المذكور، وما يزال مستمراً في تجاوزه وخرقه ليل نهار من خلال تهريب السلاح عبر الحدود، كما ورد في التقارير المحلية والدولية على حد سواء.
فالهدف الاساس من عراضات نشر وحدات الجيش السوري مع كافة الاسلحة الثقيلة، لم يكن إلا لممارسة اقوى مظاهر الضغط النفسي والترهيب، واعادة تذكير سكان البلدات والقرى اللبنانية المتاخمة للحدود مع سوريا، بسطوة وإرهاب هذا الجيش اثناء فترة مرحلة الوصاية، والتلويح بإمكانية دخوله من جديد الى الاراضي اللبنانية في حال تبدلت موازين القوى الاقليمية والدولية، في محاولة لإفهامهم بضرورة التخلي عن خيارات دعم توجهات قوى 14 آذار السياسية، والتحول لتأييد ومناصرة اتباع النظام السوري في الانتخابات النيابية المرتقبة، نظراً لتأثير نتائج هذه الانتخابات في القرار السياسي الداخلي اللبناني مستقبلاً.
الاتجاه الثاني، تمثل بمحاولة النظام السوري استغلال لافتة <التعاون> الذي تفاهم عليه مع فرنسا تحديداً، لتسهيل انتخابات الرئاسة وقيام حكومة وحدة وطنية، مقابل فك العزلة مع سوريا، والتسلل من ثنايا فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية السورية بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وإقرار خطوة إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين، لتصوير واقعه الدعوات المتلاحقة لبعض الوزراء اللبنانيين لزيارة دمشق، إن لجهة تلبية دعوات رسمية متفق عليها بين الحكومتين، او تحت عناوين المشاركة في المؤتمرات وندوات عربية واقليمية، وكأنها اندفاعة سياسية لبنانية من دون كوابح لقوى سياسية مؤيدة او متحالفة مع قوى 14 آذار، باتجاه النظام السوري من جانب واحد وبمعزل عن بت مصير القضايا الخلافية القائمة بين الجانبين وفي مقدمها المحكمة الدولية وغيرها، لإظهار وكأنه تصدع وتفرق هذه القوى لصالح هذا النظام وتأييداً لسياساته وممارساته الارهابية ضد اللبنانيين، خلافاً للواقع وذلك لإشاعة الخلاف وإبعاد اطراف هذه القوى المناهضة لسياسة التدخل السوري في الشؤون الداخلية على ابواب إجراء الانتخابات النيابية المرتقبة عن بعضها البعض، لتسهيل فوز أتباع النظام السوري ومؤيديه فيها.
الاتجاه الثالث، ينطلق من إعطاء جرعات دعم نفسية ومعنوية للقوى السياسية المؤيدة لنظام دمشق، من خلال ممارسة اقسى الضغوط على اتباع هذا النظام للالتفاف على هذه القوى وخصوصاً المسيحية المتمثلة برئيس كتلة الاصلاح والتغيير النائب ميشال عون، والايعاز لكل القوى السياسية الاخرى التابعة للنظام السوري، توفير كل مقومات الدعم والاحاطة اللازمة، للتعويض عن تفكك التحالفات الانتخابية التي كانت قائمة في انتخابات العام 2005، وخصوصاً بعد انفصال النائب ميشال المر عن هذا التحالف وتوجهه لتأليف لائحة انتخابية مناهضة في الانتخابات المقبلة.
وتأتي الدعوة السورية للنائب عون لزيارة سوريا، في إطار اعطاء جرعات من الدعم المعنوي والنفسي للتيار الوطني الحر في مواجهة خصومه السياسيين، ولإظهار مدى اهتمام هذا النظام في ترجيح كفة هذا التيار في الانتخابات المرتقبة.
يظهر بوضوع من خلال هذا التحرك، ان النظام في سوريا، يرمي بكل ثقله علناً وأمام مرأى الجميع لحسم مصير الانتخابات النيابية المقبلة لمصلحته، مخالفاً كل الوعود والتعهدات التي قطعها للدول عموماًكعادته باستمرار، ويعمل بكل قواه لاستكمال عملية السابع من ايار الماضي، التي استعمل فيها سلاح المقاومة ضد المدنيين اللبنانيين، لقلب الواقع السياسي بالقوة العسكرية لمصلحة النظام المذكور، ولملاقاة الاستحقاقات الاقليمية والدولية التي باتت تقلق هذا النظام وتضغط عليه بقوة.