مخطط الغاء 14 اذار … مستمر
منذ صدور نتائج الانتخابات النيابية في العام 2005 التي اعطت الاحزاب والشخصيات المتكتلة في تيارالرابع عشر من اذار، اكثرية مطلقة في مجلس النواب، وبالتالي اكثرية وزارية في حكومة تترأسها شخصية مرموقة في تكتل 14 اذار هو فؤاد السنيورة، صمّم فريق الثامن من اذار على ضرب المؤسسات الرسمية الاساسية التي يقوم عليها بناء الدولة وقوتها ومنع 14 اذار من استعمال اكثريتها للحكم، فكان الانسحاب من الحكومة لاسقاطها، ولمّا تعذّر ذلك، اقفل مجلس النواب في وجه الاكثرية والحكومة لمنع انتخاب رئيس للجمهورية، وشلّ الحياة التشريعية بعد اضعاف سلطة الحكومة التنفيذية بتواطؤ واضح من رئيس الجمهورية السابق اميل لحود، ولكن وقوف قيادات وجماهير 14 آذار وراء الحكومة، فوّت على قوى الثامن من اذار تحقيق اهدافهم باسقاط الدولة واستلام الحكم، فكان ان انتقلت هذه القوى الى الجزء الثاني من الخطة، وهو اللجوء الى حالة محدودة من العنف، قامت على التظاهرات والاعتصامات وقطع الطرقات واشعال الحرائق في اماكن عدة من العاصمة والمناطق، وترافق كل ذلك مع حملة سياسية بالغة العنف افرزتها حرب تموز 2006، وحرب نهر البارد وسلسلة اغتيالات طالت رموزاً اساسية في 14 اذار، ولمّا فشلت كل هذه الخطوات التصعيدية لجأت قوى 8 اذار الى العمل العنفي المباشر، فكان اجتياح بيروت المسلّح واقفال المطار والمرفأ والمؤسسات، وتمدد الاجتياح الى مناطق في عاليه والشوف والشمال والبقاع، وسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى من المسلحين والابرياء، ووقف لبنان كله في فترة معينة على شفير اندلاع حرب اهلية شاملة، لولا وعي قيادات 14 اذار ووطنيتها، وقراءتها الصحيحة للمخطط الذي اعدّ لتدمير لبنان، ومسارعة الدول العربية التي تريد مصلحة لبنان الى التدخل السريع لمنع الانفجار الكبير.
* * * * *
بعد التدخل الدولي والعربي، والذهاب الى الدوحة والعودة باتفاق الممكن من هناك، على الرغم من مخالفته لنصوص الدستور، ظن اللبنانيون، على اثر انتخاب رئيس جديد للجمهورية العماد ميشال سليمان، وتشكيل حكومة «التوافق الوطني» وبعض التعيينات الامنية، ان مخطط ضرب قوى 14 اذار قد توقف وان الامور ذاهبة باتجاه المصالحات والعمل الديمقراطي وترميم الدولة ولكنه تبين شيئاً فشيئاً ان ما لم تستطع قوى 8 آذار الحصول عليه بالقوة، تسعى الى كسبه عن طريق السياسة البريطانية القائمة على مبدأ «فرّق تسدْ» ومن اجل هذه الغاية كرّس اعلام 8 اذار، جزءاً اساسياً من نشاطه لزرع الشقاق والخلاف بين القوى المسيحية في 14 اذار، وبين هذه القوى وتيار المستقبل احياناً، وبينها وبين النائب وليد جنبلاط في شكل دائم.
وهذه الحملة تستند في شكل محدد الى اشاعة اخبار و«معلومات» لا اساس لها من الصحة، ونشر استطلاعات للرأي في المناطق المسيحية ملغومة ومفبركة من الالف الى الياء، والعمل الدؤوب لمنع قيام تفاهم مسيحي – مسيحي في حدّ أدنى لتبريد الساحة المسيحية، وعلى ما يبدو حتى الان، ان تكتل 8 اذار كلّف تكتل التغيير والاصلاح بعرقلة عمل الحكومة، وبطرح قضايا، الهدف منها الاستغلال السياسي والانتخابي، وكل الدلائل تشير الى ان وزراء تكتل التغيير والاصلاح سيرفعون من وتيرة تصعيدهم مع الاقتراب من موعد الانتخابات المقبلة، وسيرافقهم في هذا «الجهد» الوزراء الحلفاء عندما تدقّ ساعة الانقلاب النهائي.
مؤخراً بدأت تظهر ملامح الهدف الاساسي، من هذه الخطة التي تنفّذ مرحلة بعد اخرى، وهذا الهدف مصوّب باتجاه تيار المستقبل الذي يضم في صفوفه الحجم النيابي الاكبر في تكتل 14 اذار، والتركيز على هذا التيار يهدف الى امرين، الاول ايقاع شرخ بين هذا التيار السنّي وبين حلفائه المسيحيين بتصويره انه تيار مذهبي يتعاون مع الارهاب الاصولي، والهدف الثاني اضعافه سنّياً في مناطق نفوذه مثل عكار والبقاع الغربي وطرابلس وبيروت خصوصا بعد الدعوات المشبوهة التي تتكرر يومياً بوجوب تمثيل شخصيات سنية اخرى، على قاعدة ان المصالحة التي تمت يجب ان تستكمل بتعاون انتخابي مع المتخاصمين سابقا، والهدف من هذه الدعوات تخسير تيار المستقبل بعض مقاعده لحساب خصومه السياسيين.
يخطئ من يعتقد ان صابون المصالحات قد ازال رواسب الخلافات، ويخطئ من يعتقد ان من يريد ان يحل مكان الدولة، سيتعامل بديموقراطية مع المتمسكين بقيام الدولة، ويخطئ من يعتقد ان النيّات الطيبة ، تستطيع ان تواجه وحدها مخططات الغاء الآخر، وبالتالي فان مخطط الغاء 14 آذار بما يمثله من ثوابت وطنية، وتعلّق بالدولة ومؤسساتها، مستمر، وما من رادع يمنع استخدام اي ورقة لتحقيق هذا المخطط.