يشدّد على ضرورة استمرار حضور لبنان وتثبيت حقه لدى إدارة أوباما
جنبلاط ملتزم التهدئة الداخلية وحذر حيال المقاربات الخارجية
توقف كثيرون عند الكلام الذي اطلقه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط من درج بكركي حيث حرص على ابلاغ سيدها البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير قبل كل الآخرين خلاصة انطباعاته عن اللقاءات التي عقدها في العاصمة الاميركية، مستعيداً تقليداً كان انقطع قبل مدة في التواصل مع رأس الكنيسة المارونية، من دون ان ينفي تحمل قوى 14 آذار المسؤولية عن هذا الانقطاع لانشغالها بأمور شتى. فجنبلاط الذي زار واشنطن من ضمن زيارة للولايات المتحدة تتصل بالطائفة الدرزية، حاول استطلاع اجواء الادارة الجديدة ومواقفها المحتملة من لبنان. وخلص الى نتيجة بدت تحذيرية في كلامه بعد لقائه البطريرك صفير من احتمال بيع لبنان مجدداً على طاولة مفاوضات اسرائيلية – سورية. فعلى رغم انه لمس استمرار دعم "ثورة الارز"لدى النواب والشيوخ الاميركيين الذين التقاهم، فان استمرار هذا الدعم رهن عاملين: "الاول استمرار تأكيد حضور لبنان وتثبيت حقه في البقاء مستقلاً وسيداً لدى الادارة الجديدة، وخصوصاً ان السوريين بدأوا ديبلوماسية ناشطة مع المرشحين من ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون لدخول ادارة اوباما من أجل اعادة فتح الحوار بين الولايات المتحدة وسوريا، والآخر السعي الى الفوز في الانتخابات النيابية المقبلة كقوى موحّدة في 14 آذار من اجل امتلاك القدرة على تأمين الحضور للبنان في الخارج بغية منع بيعه من الآخرين.
ومخاوف جنبلاط في هذا الشأن تبررها قابلية لدى كل من سوريا واسرائيل لهذا الأمر، الاولى عبر بيع ورقة ضبط "حزب الله" وسلاحه، والأخرى عبر استعدادها لخوض اي عملية من هذا النوع للتخلص من الحزب، علماً ان اسرائيل لم تتأخر في إبداء ممانعة واعتراض على تقوية الجيش اللبناني وتزويده دبابات ليمتلك القدرة الكافية للدفاع عن البلاد. وهو لا يرى حلاً لذلك في ما تنصح به بعض الدول لبنان لاجراء مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل على ما هو جار بين اسرائيل وسوريا، لثقته بان ذلك فخ ينصب للبنان ولا يود جنبلاط ان يراه ينجر اليه. اذ ان المسألة تحتاج الى فك ارتباط بين لبنان وسوريا في موضوع مزارع شبعا، لا تبدو سوريا مستعدة له لرغبتها في ابقاء لبنان وجملة عناصر فيه ورقة في يدها، في حين ان ارتباط لبنان بالصراع العربي – الاسرائيلي هو حصراً في القرار 194 المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى أراضيهم، علماً أن القرار ينص ايضاً على تعويض من لا يرغب في العودة، فضلاً عن ثقة جنبلاط بان المفاوضات غير المباشرة لا تتسم بالجدية بل هي لكسب الوقت من الجانبين السوري والاسرائيلي وتعزيز الاوراق ايضاً. وسيأخذ هذا الاتجاه مداه مع احتمال وصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة مجلس الوزراء في اسرائيل وتفضيله المسار السوري على المسار الفلسطيني، وتالياً المراوحة، علماً ان حال الترقب واليقظة لا يفرضها انتظار ما ستبدأ بتجربته الادارة الاميركية الجديدة فحسب، بل ايضاً الانتخابات الاسرائيلية والانتخابات الايرانية فضلاً عن الانتخابات اللبنانية.
وفي هذا الاطار يلتزم جنبلاط الحذر في اطلاق التكهنات او الاحكام في اي اتجاه. فالتهدئة من جانبه سارية في كل الاتجاهات الداخلية اذا صح التعبير. ففي حين يطلق مجموعة اشارات ايجابية في اتجاه "حزب الله"، يبقى على ثقة بان اي اشارة ايجابية في اتجاهه لا تبدو متاحة من سوريا لحلفائها في لبنان لأن سوريا تحاول بشدة تأمين الغالبية المسيحية للعماد ميشال عون ومنع تشكيل كتلة وسطية للرئيس ميشال سليمان ستكون حتماً على حساب الكتلة التي يطمح اليها عون لأنها "ستأكل من صحنه". وهو يدرك ان لا تقدم مهماً سيحصل بين البلدين نتيجة التطبيع الحاصل على المستوى الرسمي لأن التجربة مع سوريا علمت اللبنانيين ان تجاوبها مع اي أمر سيتطلب زيارات مكوكية لامتناهية لها من المسؤولين اللبنانيين الى حد يعيد الوضع الى ما كان سابقاً وفق ما تطمح اليه دمشق، من دون اعطاء هؤلاء المسؤولين اي شيء يذكر. والتطبيع الداخلي لا يقل أهمية عن التطبيع الخارجي في وقت لا تزال الأمور على حالها ولا تشهد تقدماً حقيقياً او حتى تقدماً رمزياً خلافاً لما يحاول بعضهم ابرازه.
ويدرك جنبلاط جيداً ان اي محاولة انفتاح اميركية لأسباب تتعلق بالمصلحة الاميركية ومصلحة اسرائيل ستجعل دمشق تطرح على الطاولة، من بين ما تطرحه، موضوع المحكمة الدولية، على رغم الضمانات التي نالتها في شأنها. اما في مقاربة موضوع الانتخابات، فلا يفصح جنبلاط عن اي موقف او مآخذ على حلفائه في هذه المرحلة على رغم تسجيل بعضهم تنافساً حاداً من ضمن الصف المسيحي داخل قوى 14 آذار، علماً ان جنبلاط يرى بوضوح هذا التنافس كما يرى مدى الانقسامات الحاصلة بين المسيحيين. ويهمه في الدرجة الاولى ان تكون ادارة المعركة الانتخابية على نحو يمكّن قوى 14 آذار من الفوز بالغالبية مجدداً على رغم التحديات والمحاذير والمخاوف من اغتيالات متجددة تعيد ما حصل في العامين الماضيين الى الواجهة، خصوصاً ان الاغتيالات التي حصلت في صفوف قوى 14 آذار رمت الى النيل من هذه الاكثرية ومنع استمرارها كأكثرية، فضلاً عن منعها من ممارسة الحكم على هذا الاساس تبعاً لما حصل في الاعوام الثلاثة الماضية.